العبارات. ويؤديه الأداء .. منهج التربية للنفس البشرية والمجتمعات البشرية ـ ومحتويات هذا المنهج وجوانبه الكثيرة (١) ـ ومنهج التنظيم للنشاط الإنساني للأفراد وللمجتمع الذي يضم الأفراد ـ وشتى الجوانب والملابسات التي تطرأ في حياة المجتمعات البشرية على توالي الأجيال ـ ومنهج التقويم للإدراك البشري ذاته وتناول شتى قواه وطاقاته وإعمالها معا في عملية الإدراك! ـ ومنهج التنسيق بين الكائن الإنساني بجملته ـ في جميع مجتمعاته وأجياله ومستوياته ـ وبين هذا الكون الذي يعيش فيه ؛ ثم بين دنياه وآخرته ؛ وما يشتجر في العلاقة بينهما من ملابسات لا تحصى في عالم كل فرد ؛ وفي عالم «الإنسان» وهو يعيش في هذا الكون بشكل عام ..
وإذا كان الفارق بين صنعة الله وصنعة الإنسان واضحا كل الوضوح في جانب التعبير اللفظي والأداء الفني ، فإنه أوضح من ذلك في جانب التفكير والتنظيم والتشريع. فما من نظرية بشرية ، وما من مذهب بشري ، إلا وهو يحمل الطابع البشري .. جزئية النظر والرؤية .. والتأثر الوقتي بالمشكلات الوقتية .. وعدم رؤية المتناقضات في النظرية أو المذهب أو الخطة ؛ التي تؤدي إلى الاصطدام بين مكوّناتها ـ إن عاجلا وإن آجلا ـ كما تؤدي إلى إيذاء بعض الخصائص في الشخصية البشرية الواحدة التي لم يحسب حساب بعضها ؛ أو في مجموعة الشخصيات الذين لم يحسب حساب كل واحدة منها .. إلى عشرات ومئات من النقائص والاختلاف ، الناشئة من طبيعة الإدراك البشري المحدود ، ومن الجهل البشري بما وراء اللحظة الحاضرة ، فوق جهله بكل مكونات اللحظة الحاضرة ـ في أية لحظة حاضرة! ـ وعكس ذلك كله هو ما يتسم به المنهج القرآني الشامل المتكامل ، الثابت الأصول ؛ ثبات النواميس الكونية ؛ الذي يسمح بالحركة الدائمة ـ مع ثباته ـ كما تسمح بها النواميس الكونية!
وتدبر هذه الظاهرة ، في آفاقها هذه ، قد لا يتسنى لكل إدراك ، ولا يتسنى لكل جيل. بل المؤكد أن كل إدراك سيتفاوت مع الآخر في إدراكها ؛ وكل جيل سيأخذ بنصيبه في إدراكها ويدع آفاقا منها للأجيال المترقية ، في جانب من جوانب المعرفة أو التجربة .. إلا أنه يتبقى من وراء كل الاختلاف البشري الكثير في إدراك هذه الظاهرة ـ كاختلافه الكثير في كل شيء آخر! ـ بقية يلتقي عليها كل إدراك ، ويلتقي عليها كل جيل .. وهي أن هذه الصنعة شيء وصنعة البشر شيء آخر. وأنه لا اختلاف في هذه الصنعة ولا تفاوت ، وإنما وحدة وتناسق .. ثم يختلف الناس بعد ذلك ما يختلفون في إدراك آماد وآفاق وأبعاد وأنواع ذلك التناسق! (٢).
وإلى هذا القدر الذي لا يخطئه متدبر ـ حين يتدبر ـ يكل الله تلك الطائفة ، كما يكل كل أحد ، وكل جماعة ، وكل جيل. وإلى هذا القدر من الإدراك المشترك يكل إليهم الحكم على هذا القرآن ؛ وبناء اعتقادهم في أنه من عند الله. ولا يمكن أن يكون من عند غير الله.
ويحسن أن نقف هنا وقفة قصيرة ، لتحديد مجال الإدراك البشري في هذا الأمر وفي أمر الدين كله. فلا يكون هذا التكريم الذي كرمه الله للإنسان بهذا التحكيم ، سبيلا إلى الغرور ، وتجاوز الحد المأمون ؛ والانطلاق من السياج الحافظ من المضي في التيه بلا دليل!
إن مثل هذه التوجيهات في القرآن الكريم يساء إدراكها ، وإدراك مداها. فيذهب بها جماعة من المفكرين الإسلاميين ـ قديما وحديثا ـ إلى إعطاء الإدراك البشري سلطة الحكم النهائية في أمر الدين كله. ويجعلون منه
__________________
(١) يراجع كتاب : «منهج التربية الإسلامية» محمد قطب. «دار الشروق».
(٢) يراجع كتاب : «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته». وكتاب : «الإسلام ومشكلات الحضارة» وكتاب : «هذا الدين» فكل منها يتناول جانبا من جوانب هذه الحقيقة الكبيرة. «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
