هذا أمر وذاك أمر ؛ ولا علاقة بينهما .. إنما العلاقة هناك بين الموت والأجل. بين الموعد الذي قدره الله وحلول ذلك الموعد .. وليست هنالك علاقة أخرى .. ولا معنى إذن لتمني تأجيل القتال. ولا معنى إذن لخشية الناس في قتال أو في غير قتال!
وبهذه اللمسة الثانية يعالج المنهج القرآني كل ما يهجس في الخاطر عن هذا الأمر ؛ وكل ما ينشئه التصور المضطرب من خوف ومن ذعر ..
إنه ليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته وكل ما يدخل في طوقه من استعداد وأهبة ووقاية .. فقد سبق أن أمرهم الله بأخذ الحذر. وفي مواضع أخرى أمرهم بالاحتياط في صلاة الخوف. وفي سور أخرى أمرهم باستكمال العدة والأهبة .. ولكن هذا كله شيء ، وتعليق الموت والأجل به شيء آخر .. إن أخذ الحذر واستكمال العدة أمر يجب أن يطاع ، وله حكمته الظاهرة والخفية ، ووراءه تدبير الله .. وإن التصور الصحيح لحقيقة العلاقة بين الموت والأجل المضروب ـ رغم كل استعداد واحتياط ـ أمر آخر يجب أن يطاع ؛ وله حكمته الظاهرة والخفية ، ووراءه تدبير الله ..
توازن واعتدال. وإلمام بجميع الأطراف. وتناسق بين جميع الأطراف ..
هذا هو الإسلام. وهذا هو منهج التربية الإسلامي ، للأفراد والجماعات ..
* * *
وبهذا ربما ينتهي الحديث عن تلك الطائفة من المهاجرين. ويبدأ الحديث عن طائفة أخرى من الطوائف المنبثة في المجتمع الإسلامي ، والتي يتألف منها الصف المسلم ومن سواها .. هذا وإن كان السياق لا انقطاع فيه ، ولا فصل ، ولا وقفة تنبىء بأن الحديث الآتي عن طائفة أخرى ، وأن الحديث عن هذه الطائفة قد انتهى .. ولكننا نمضي مع الاعتبارات التي أسلفناها :
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ! قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ. فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً؟! ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ. وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً. وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً. مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ، وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) ..
إن الذين يقولون هذا القول ، وينسبون ما يصيبهم من الخير إلى الله ، وما يصيبهم من الضر إلى النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يحتمل فيهم وجوه :
الوجه الأول : أنهم يتطيرون بالنبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فيظنونه ـ حاشاه ـ شؤما عليهم. يأتيهم السوء من قبله. فإن أجدبت السنة ، ولم تنسل الماشية ، أو إذا أصيبوا في موقعة ؛ تطيروا بالرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فأما حين يصيبهم الخير فينسبون هذا إلى الله!
الوجه الثاني : أنهم يريدون عامدين تجريح قيادة الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ تخلصا من التكاليف التي يأمرهم بها. وقد يكون تكليف القتال منها ـ أو أخصها ـ فبدلا من أن يقولوا : إنهم ضعاف يخشون مواجهة القتال ، يتخذون ذلك الطريق الملتوي الآخر! ويقولون : إن الخير يأتيهم من الله ، وإن السوء لا يجيئهم إلا من قبل الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ومن أوامره. وهم يعنون بالخير أو السوء النفع أو الضر القريب الظاهر!
والوجه الثالث : هو سوء التصور فعلا لحقيقة ما يجري لهم وللناس في هذه الحياة ، وعلاقته بمشيئة الله.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
