المحمدية. أما بعدها فقد تحدد شكل الإيمان الأخير.
٦٣ ـ ثم يمضي السياق يستعرض مواقف بني إسرائيل في مواجهة يهود المدينة بمسمع من المسلمين ..
(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ، وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ، وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ، فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ) ..
وتفصيل هذا الميثاق وارد في سور أخرى ، وبعضه ورد في هذه السورة فيما بعد. والمهم هنا هو استحضار المشهد ، والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رؤوسهم وقوة أخذ العهد ، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة. وأن يعزموا فيه عزيمة. فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع ، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة .. إنه عهد الله مع المؤمنين .. وهو جد وحق ، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق .. وله تكاليف شاقة ، نعم! ولكن هذه هي طبيعته. إنه أمر عظيم. أعظم من كل ما في هذا الوجود. فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه ، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف. ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة ، كما قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وقد نودي للتكليف : «مضى عهد النوم يا خديجة» .. وكما قال له ربه : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) .. وكما قال لبني إسرائيل :
(خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ). (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ..
ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم .. لا بد مع هذا من تذكر ما فيه ، واستشعار حقيقته ، والتكيف بهذه الحقيقة ، كي لا يكون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة. فعهد الله منهج حياة ، منهج يستقر في القلب تصورا وشعورا ، ويستقر في الحياة وضعا ونظاما ، ويستقر في السلوك أدبا وخلقا ، وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة الله وخشية المصير.
٦٤ ـ ولكن هيهات! لقد أدركت إسرائيل نحيزتها ، وغلبت عليها جبلتها :
(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) ..
ثم أدركتها رحمة الله مرة أخرى وشملها فضله العظيم ؛ فأنقذها من الخسار المبين :
(فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ) ..
* * *
٦٥ ـ ومرة أخرى يواجههم بمظهر من مظاهر النكث والنكسة ، والتحلل من العهد والعجز عن الاستمساك به ، والضعف عن احتمال تكاليفه ، والضعف أمام الهوى أو النفع القريب :
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ : فَقُلْنا لَهُمْ : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ، فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها ، وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) ..
وقد فصل القرآن حكاية اعتدائهم في السبت في موضع آخر فقال : (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ) .. فلقد طلبوا أن يكون لهم يوم راحة مقدس ، فجعل الله لهم يوم السبت راحة مقدسا لا يعملون فيه للمعاش. ثم ابتلاهم بعد ذلك بالحيتان تكثر يوم السبت ، وتختفي في غيره! وكان ابتلاء لم تصمد له يهود! وكيف تصمد وتدع هذا الصيد القريب يضيع؟
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
