إن الزواج بين الأقارب يضوي الذرية ، ويضعفها مع امتداد الزمن. لأن استعدادات الضعف الوراثية قد تتركز وتتأصل في الذرية. على عكس ما إذا تركت الفرصة للتلقيح الدائم بدماء أجنبية جديدة ، تضاف استعداداتها الممتازة ، فتجدد حيوية الأجيال واستعداداتها.
أو يقال : إن بعض الطبقات المحرمة كالأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. وكذلك نظائرهن من الرضاعة. وأمهات النساء ، وبنات الزوجات ـ الربائب والحجور ـ يراد أن تكون العلاقة بهن علاقة رعاية وعطف ، واحترام وتوقير ، فلا تتعرض لما قد يجد في الحياة الزوجية من خلافات تؤدي إلى الطلاق والانفصال ـ مع رواسب هذا الانفصال ـ فتخدش المشاعر التي يراد لها الدوام ..
أو يقال : إن بعض هذه الطبقات كالربائب في الحجور ، والأخت مع الأخت ، وأم الزوجة وزوجة الأب .. لا يراد خدش المشاعر البنوية أو الأخوية فيها. فالأم التي تحس أن ابنتها قد تزاحمها في زوجها ، والبنت والأخت كذلك ، لا تستبقي عاطفتها البريئة تجاه بنتها التي تشاركها حياتها ، أو أختها التي تتصل بها ، أو أمها ، وهي أمها! وكذلك الأب الذي يشعر أن ابنه قد يخلفه على زوجته. والابن الذي يشعر أن أباه الراحل أو المطلق غريم له ، لأنه سبقه على زوجته! ومثله يقال في حلائل الأبناء الذين من الأصلاب ، بالنسبة لما بين الابن والأب من علاقة لا يجوز أن تشاب!
أو يقال : إن علاقة الزواج جعلت لتوسيع نطاق الأسرة ، ومدها إلى ما وراء رابطة القرابة. ومن ثم فلا ضرورة لها بين الأقارب الأقربين ، الذين تضمهم آصرة القرابة القريبة. ومن ثم حرم الزواج من هؤلاء لانتفاء الحكمة فيه ، ولم يبح من القريبات إلا من بعدت صلته ، حتى ليكاد أن يفلت من رباط القرابة (١).
وأيا ما كانت العلة ، فنحن نسلم بأن اختيار الله لا بد وراءه حكمة ، ولا بد فيه مصلحة. وسواء علمنا أو جهلنا ، فإن هذا لا يؤثر في الأمر شيئا ، ولا ينقص من وجوب الطاعة والتنفيذ ، مع الرضى والقبول. فالإيمان لا يتحقق في قلب ، ما لم يحتكم إلى شريعة الله ، ثم لا يجد في صدره حرجا منها ويسلم بها تسليما.
* * *
ثم تبقى كلمة أخيرة عامة عن هذه المحارم ، ونص التشريع القرآني المبين لها :
إن هذه المحرمات كانت محرمة في عرف الجاهلية ـ فيما عدا حالتين اثنتين : ما نكح الآباء من النساء ، والجمع بين الأختين. فقد كانتا جائزتين ـ على كراهة من المجتمع الجاهلي ..
ولكن الإسلام ـ وهو يحرم هذه المحارم كلها ـ لم يستند إلى عرف الجاهلية في تحريمها. إنما حرمها ابتداء ، مستندا إلى سلطانه الخاص. وجاء النص : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) ... إلخ» ..
والأمر في هذا ليس أمر شكليات ؛ إنما هو أمر هذا الدين كله. وإدراك العقدة في هذا الأمر هو إدراك لهذا الدين كله ، وللأصل الذي يقوم عليه : أصل الألوهية وإخلاصها لله وحده ..
إن هذا الدين يقرر أن التحليل والتحريم هو من شأن الله وحده ، لأنهما أخص خصائص الألوهية. فلا تحريم ولا تحليل بغير سلطان من الله. فالله ـ وحده ـ هو الذي يحل للناس ما يحل ، ويحرم على الناس ما يحرم. وليس لأحد غيره أن يشرع في هذا وذاك ، وليس لأحد أن يدعي هذا الحق. لأن هذا مرادف تماما لدعوى الألوهية!
__________________
(١) كما يقول الأستاذ العقاد في كتابه : «حقائق الإسلام وأباطيل خصومه».
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
