إفضاء. وفي كل التقاء في وليد إفضاء ..
كل هذا الحشد من التصورات والظلال والأنداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التعبير الموحي العجيب : (وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) .. فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادي الصغير ، ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع ، وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه ذلك الحشد من صور الماضي ، وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف!
ثم يضم إلى ذلك الحشد من الصور والذكريات والمشاعر عاملا آخر ، من لون آخر :
(وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) ..
هو ميثاق النكاح ، باسم الله ، وعلى سنة الله .. وهو ميثاق غليظ لا يستهين بحرمته قلب مؤمن ؛ وهو يخاطب الذين آمنوا ، ويدعوهم بهذه الصفة أن يحترموا هذا الميثاق الغليظ.
٢٢ ـ وفي نهاية هذه الفقرة يحرم تحريما باتا ـ مع التفظيع والتبشيع ـ أن ينكح الأبناء ما نكح آباؤهم من النساء.
وقد كان ذلك في الجاهلية حلالا. وكان سببا من أسباب عضل النساء أحيانا ، حتى يكبر الصبي فيتزوج امرأة أبيه ، أو إن كان كبيرا تزوجها بالوراثة كما يورث الشيء! فجاء الإسلام يحرم هذا الأمر أشد التحريم : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ ـ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ـ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً) ..
ويبدو لنا من حكمة هذا التحريم ثلاثة اعتبارات ـ وإن كنا نحن البشر لا نحيط بكل حكمة التشريع ، ولا يتوقف خضوعنا له ، وتسليمنا به ، ورضاؤنا إياه على إدراكنا أو عدم إدراكنا لهذه الحكمة ، فحسبنا أن الله قد شرعه ، لنستيقن أن وراءه حكمة ، وأن فيه المصلحة.
نقول : يبدو لنا من حكمة هذا التحريم ثلاثة اعتبارات : الأول أن امرأة الأب في مكان الأم. والثاني : ألا يخلف الابن أباه ؛ فيصبح في خياله ندا له. وكثيرا ما يكره الزوج زوج امرأته الأول فطرة وطبعا ، فيكره أباه ويمقته! والثالث : ألا تكون هناك شبهة الإرث لزوجة الأب. الأمر الذي كان سائدا في الجاهلية. وهو معنى كريه يهبط بإنسانية المرأة والرجل سواء. وهما من نفس واحدة ، ومهانة أحدهما مهانة للآخر بلا مراء.
لهذه الاعتبارات الظاهرة ـ ولغيرها مما يكون لم يتبين لنا ـ جعل هذا العمل شنيعا غاية الشناعة .. جعله فاحشة. وجعله مقتا : أي بغضا وكراهية. وجعله سبيلا سيئا .. إلا ما كان قد سلف منه في الجاهلية ، قبل أن يرد في الإسلام تحريمه. فهو معفو عنه. متروك أمره لله سبحانه ..
* * *
٢٣ ـ والفقرة الثالثة في هذا الدرس ، تتناول سائر أنواع المحرمات من النساء. وهي خطوة في تنظيم الأسرة ، وفي تنظيم المجتمع على السواء :
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ، وَبَناتُكُمْ ، وَأَخَواتُكُمْ ، وَعَمَّاتُكُمْ ، وَخالاتُكُمْ ، وَبَناتُ الْأَخِ ، وَبَناتُ الْأُخْتِ ، وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ، وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ ، وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ، وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ـ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ـ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ، وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ـ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ـ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ـ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ ـ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ...) ..
والمحارم ـ أي اللواتي يحرم الزواج منهن ـ معروفة في جميع الأمم ، البدائية والمترقية على السواء. وقد
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
