كله ، لأنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها الله لها من قبل. وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق. ويبطل عندها الكيد والبلبلة ويصغر عندها الابتلاء والأذى ؛ وتمضي في طريقها الموعود ، إلى الأمل المنشود .. في صبر وفي تقوى .. وفي عزم أكيد ..
* * *
١٨٧ ـ ثم يمضي السياق القرآني يفضح موقف أهل الكتاب في مخالفتهم عن عهد الله معهم يوم آتاهم الكتاب. ونبذهم له. وكتمانهم لما ائتمنهم عليه منه ، حين يسألون عنه :
(وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ. فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ، وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً. فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ)!
وقد تضمن سياق السورة الكثير من أفاعيل أهل الكتاب وأقاويلهم ـ وبخاصة اليهود ـ وأبرز هذه الأفاعيل والأقاويل كتمانهم للحق الذي يعلمونه ، ولبسه بالباطل ، لإحداث البلبلة والاضطراب في مفهوم الدين ، وفي صحة الإسلام ، وفي وحدة الأسس والمبادئ بينه وبين الأديان قبله ، وفي تصديقه لها وتصديقها له .. وكانت التوراة بين أيديهم يعلمون منها أن ما جاء به محمد حق ؛ وأنه من ذات المصدر الذي جاءتهم منه التوراة ..
فالآن يبدو هذا الموقف منهم بشعا غاية البشاعة ؛ حين ينكشف أيضا أن الله ـ سبحانه ـ قد أخذ عليهم العهد ـ وهو يعطيهم الكتاب ـ أن يبينوه للناس ، ويبلغوه ، ولا يكتموه أو يخفوه. وأنهم نبذوا هذا العهد مع الله ـ والتعبير يجسم إهمالهم وإخلافهم للعهد ؛ فيمثله في حركة :
(فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ)!
وأنهم فعلوا هذه الفعلة الفاضحة ، ابتغاء ثمن قليل :
(وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً).
هو عرض من أعراض هذه الأرض ، ومصلحة شخصية للأحبار أو قومية لليهود! وكله ثمن قليل ، ولو كان ملك الأرض كلها طوال الدهور! فما أقل هذا الثمن ثمنا لعهد الله! وما أقل هذا المتاع متاعا حين يقاس بما عند الله!
(فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ)!
* * *
١٨٨ ـ وقد ورد في رواية للبخاري ـ بإسناده ـ عن ابن عباس أن النبي صلىاللهعليهوسلم سأل اليهود عن شيء ، فكتموه إياه ، وأخبروه بغيره ، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه. وأنه في هذا نزلت آية :
(لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ، فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ..
وفي رواية أخرى للبخاري ـ بإسناده ـ عن أبي سعيد الخدري ، أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ كانوا إذا خرج رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى الغزو تخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فإذا قدم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فنزلت : (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
