والخلق والسلوك والتنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي .. وبين النصر أو الهزيمة في كل معركة .. فكل هذه عوامل أساسية فيما يصيبها من نصر أو هزيمة.
والمنهج الإلهي ـ من ثم ـ يعمل في مساحة هائلة في النفس الإنسانية وفي الحياة البشرية. مساحة متداخلة الساحات والنقط والخطوط والخيوط ، متكاملة في الوقت ذاته وشاملة. والخطة يصيبها الخلل والفشل حين يختل الترابط والتناسق بين هذه الساجات كلها والنقط والخطوط والخيوط .. وهذه ميزة ذلك المنهج الكلي الشامل ، الذي يأخذ الحياة جملة ، ولا يأخذها مزقا وتفاريق. والذي يتناول النفس والحياة من أقطارها جميعا ، ويلم خيوطها المتشابكة المتباعدة ، في قبضته ، فيحركها كلها حركة واحدة متناسقة ، لا تصيب النفس بالفصام ، ولا تصيب الحياة بالتمزق والانقسام.
ومن نماذج هذا التجميع ، وهذه الارتباطات المتداخلة الكثيرة حديثه ـ في التعقيب القرآني ـ عن الخطيئة ، وأثرها في النصر والهزيمة. فهو يقرر أن الهزيمة كانت موصولة بالشيطان الذي استغل ضعف الذين تولوا بسبب مما كسبوا : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا) .. كما يقرر أن الذين قاتلوا مع الأنبياء ووفوا ـ وهم النموذج الذي يطلب إلى المؤمنين الاقتداء به ـ بدأوا المعركة بالاستغفار من الذنوب :
(وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا ـ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ـ وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ، وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا ، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ. وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) .. وفي توجيهاته للجماعة المسلمة يسبق نهيه لها عن الوهن والحزن في المعركة ، توجيهها للتطهر والاستغفار : (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ـ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ ـ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) .. ومن قبل يذكر عن سبب ذلة أهل الكتاب وانكسارهم : الاعتداء والمعصية : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا ـ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ـ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ، وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) ..
وكذلك نجد الحديث عن الخطيئة والتوبة ، يتخلل التعقيب على أحداث الغزوة ، كما نجد الكلام عن «التقوى» وتصوير حالات المتقين ، يتخلل سياق السورة كلها بوفرة ملحوظة. ويربط بين جو السورة كلها ـ على اختلاف موضوعاتها ـ وجو المعركة. كما نجد الدعوة إلى ترك الربا ، وإلى طاعة الله والرسول ، وإلى العفو عن الناس ، وكظم الغيظ ، والإحسان ، .. وكلها تطهير للنفس وللحياة وللأوضاع الاجتماعية .. والسورة كلها وحدة متماسكة في التوجيه إلى هذا الهدف الأساسي الهام.
٤ ـ وحقيقة رابعة .. عن طبيعة منهج التربية الإسلامي .. فهو يأخذ الجماعة المسلمة بالأحداث ، وما تنشئه في النفوس من مشاعر وانفعالات واستجابات ، ثم يأخذهم بالتعقيب على الأحداث .. على النحو الذي يمثله التعقيب القرآني على غزوة أحد .. وهو في التعقيب يتلمس كل جانب من جوانب النفس البشرية تأثر بالحادثة ، ليصحح تأثره ، ويرسب فيه الحقيقة التي يريد لها أن تستقر وتستريح! وهو لا يدع جانبا من الجوانب ، ولا خاطرة من الخواطر ، ولا تصورا من التصورات ، ولا استجابة من الاستجابات ، حتى يوجه إليها الأنظار ،
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
