حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان. لأنه يجاهد نفسه أولا في أثناء مجاهدته للناس ؛ وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبدا ، وهو قاعد آمن سالم ؛ وتتبين له حقائق في الناس ، وفي الحياة ، لم تكن لتتبين له أبدا بغير هذه الوسيلة ؛ ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته ، وبعاداته وطباعه ، وبانفعالاته واستجاباته ، ما لم يكن ليبلغه أبدا ، بدون هذه التجربة الشاقة المريرة.
وحقيقة الإيمان لا يتم تمامها في جماعة ، حتى تتعرض للتجربة والامتحان والابتلاء ، وحتى يتعرف كل فرد فيها على حقيقة طاقته ، وعلى حقيقة غايته ؛ ثم تتعرف هي على حقيقة اللبنات التي تتألف منها. مدى احتمال كل لبنة ، ثم مدى تماسك هذه اللبنات في ساعة الصدام.
وهذا ما أراد الله ـ سبحانه ـ أن يعلمه للجماعة المسلمة ، وهو يربيها بالأحداث في «أحد» وبالتعقيب على هذه الأحداث في هذه السورة. وهو يقول لها ، بعد بيان السبب الظاهر في ما أصابها : (وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ ، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا) .. وهو يقول : (ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ). ثم .. وهو يردهم إلى قدر الله وحكمته من وراء الأسباب والوقائع جميعا ؛ فيردهم إلى حقيقة الإيمان الكبرى التي لا يتم إلا باستقرارها في النفس المؤمنة : (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ. وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ. وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ، وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) ..
وإذن فهو ـ في النهاية ـ قدر الله وتدبيره وحكمته ، من وراء الأسباب والأحداث والأشخاص والحركات .. وهو التصور الإسلامي الشامل الكامل ، يستقر في النفس من وراء الأحداث ، والتعقيب المنير على هذه الأحداث.
٢ ـ وتمخضت المعركة والتعقيب عليها عن حقيقة أساسية كبيرة عن طبيعة النفس البشرية وطبيعة الفطرة الإنسانية ، وطبيعة الجهد البشري ، ومدى ما يمكن أن يبلغه في تحقيق المنهج الإلهي :
إن النفس البشرية ليست كاملة ـ في واقعها ـ ولكنها في الوقت ذاته قابلة للنمو والارتقاء ، حتى تبلغ أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض.
وها نحن أولاء نرى قطاعا من قطاعات البشرية ـ كما هو وعلى الطبيعة ـ ممثلا في الجماعة التي تمثل قمة الأمة التي يقول الله عنها : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) .. وهم أصحاب محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ المثل الكامل للنفس البشرية على الإطلاق .. فماذا نرى؟ نرى مجموعة من البشر ، فيهم الضعف وفيهم النقص ، وفيهم من يبلغ أن يقول الله عنهم : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ). ومن يبلغ أن يقول الله عنهم : (حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ، وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ) .. وفيهم من يقول الله عنهم : (إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ، وَاللهُ وَلِيُّهُما ، وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) .. وفيهم من ينهزم وينكشف ، وتبلغ منهم الهزيمة ما وصفه الله سبحانه بقوله : (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ. فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ) ..
وكل هؤلاء مؤمنون مسلمون ؛ ولكنهم كانوا في أوائل الطريق. كانوا في دور التربية والتكوين. ولكنهم كانوا جادين في أخذ هذا الأمر ، مسلمين أمرهم لله ، مرتضين قيادته ، ومستسلمين لمنهجه. ومن ثم لم يطردهم الله من كنفه ، بل رحمهم وعفا عنهم ؛ وأمر نبيه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يعفو عنهم ، ويستغفر لهم ، وأمره أن يشاورهم في الأمر ، بعد كل ما وقع منهم ، وبعد كل ما وقع من جراء المشورة! نعم إنه ـ سبحانه ـ
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
