الخبيث من الطيب ، ويمحص القلوب ، ويطهر النفوس .. ويكون من قدر الله ما يكون ..
وهكذا يرفع الستار عن جانب من حكمة الله ، وهي تتحقق في الحياة ؛ وهكذا تستقر هذه الحقيقة على أرض صلبة مكشوفة منيرة ..
وأمام مشهد الحقيقة متجلية بسيطة مريحة ، يتجه إلى الذين آمنوا ليحققوا في ذواتهم مدلول الإيمان ومقتضاه ، ويلوح لهم بفضل الله العظيم ، الذي ينتظر المؤمنين.
(فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ. وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) ..
فيكون هذا التوجيه وهذا الترغيب ، بعد ذلك البيان وذلك الاطمئنان ، خير خاتمة لاستعراض الأحداث في «أحد» والتعقيب على هذه الأحداث ..
* * *
وبعد .. فقد تمخضت المعركة والتعقيب القرآني عليها عن حقائق ضخمة منوعة ، يصعب إحصاؤها ثم إيفاؤها حقها من البسط والعرض في هذا السياق من الظلال. فنكتفي بالإشارة إلى أشملها وأبرزها ، ليقاس عليه سائر ما في الغزوة كما عرضها القرآن الكريم من مواضع للعبرة والاستدلال :
١ ـ لقد تمخضت المعركة والتعقيب عليها عن حقيقة أساسية كبيرة في طبيعة هذا الدين الذي هو المنهج الإلهي للحياة البشرية ، وفي طريقته في العمل في حياة البشر. وهي حقيقة أولية بسيطة ، ولكنها كثيرا ما تنسى ، أو لا تدرك ابتداء ، فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين : في حقيقته وفي واقعه التاريخي في حياة الإنسانية ، وفي دوره أمس واليوم وغدا ..
إن بعضنا ينتظر من هذا الدين ـ ما دام هو المنهج الإلهي للحياة البشرية ـ أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة! دون اعتبار لطبيعة البشر ، ولطاقتهم الفطرية ، ولواقعهم المادي ، في أية مرحلة من مراحل نموهم ، وفي أية بيئة من بيئاتهم!
وحين يرون أنه لا يعمل بهذه الطريقة ، وإنما هو يعمل في حدود الطاقة البشرية ، وحدود الواقع المادي للبشر. وأن هذه الطاقة وهذا الواقع يتفاعلان معه ، فيتأثران به في فترات تأثرا واضحا ، أو يؤثران في مدى استجابة الناس له ، وقد يكون تأثير هما مضادا في فترات أخرى فتقعد بالناس ثقلة الطين ، وجاذبية المطامع والشهوات ، دون تلبية هتاف الدين أو الاتجاه معه في طريقه اتجاها كاملا .. حين يرون هذه الظواهر فإنهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها! ـ ما دام هذا الدين من عند الله ـ أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته! أو يصابون بالشك في الدين إطلاقا!
وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد ، هو عدم إدراك طبيعة هذا الدين ، وطريقته ، أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة.
إن هذا الدين منهج للحياة البشرية ، يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد بشري ، في حدود الطاقة البشرية ، ويبدأ في العمل من النقطة التي يكون البشر عندها بالفعل من واقعهم المادي ، ويسير بهم إلى نهاية الطريق ، في حدود جهدهم البشري وطاقتهم البشرية ، ويبلغ بهم أقصى ما تمكنهم طاقتهم وجهدهم من بلوغه.
وميزته الأساسية أنه لا يغفل لحظة ، في أية خطة ، وفي أية خطوة ، عن طبيعة فطرة الإنسان ، وحدود طاقته ، وواقعه المادي أيضا. وأنه في الوقت ذاته يبلغ به ـ كما تحقق ذلك فعلا في بعض الفترات ، وكما
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
