الحديث عن هذه الغزوة. فيرجع إليها هناك (١).
١٧٢ ـ وبعد تقرير هذه الحقيقة الكبيرة يتحدث عن (الْمُؤْمِنِينَ) الذين يستبشر الشهداء في الموقعة بما هو مدخر لهم عند ربهم ، فيعين من هم ؛ ويحدد خصائصهم وصفاتهم وقصتهم مع ربهم :
(الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ، فَزادَهُمْ إِيماناً. وَقالُوا : حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) ..
إنهم أولئك الذين دعاهم الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى الخروج معه كرة أخرى غداة المعركة المريرة. وهم مثخنون بالجراح. وهم ناجون بشق الأنفس من الموت أمس في المعركة. وهم لم ينسوا بعد هول الدعكة ، ومرارة الهزيمة ، وشدة الكرب. وقد فقدوا من أعزائهم من فقدوا ، فقل عددهم ، فوق ما هم مثخنون بالجراح! ولكن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ دعاهم. ودعاهم وحدهم. ولم يأذن لأحد تخلف عن الغزوة أن يخرج معهم ـ ليقويهم ويكثر عددهم كما كان يمكن أن يقال! ـ فاستجابوا .. استجابوا لدعوة الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهي دعوة الله ـ كما يقرر السياق وكما هي في حقيقتها وفي مفهومهم كذلك ـ فاستجابوا بهذا لله والرسول (مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ) ، ونزل بهم الضر ، وأثخنتهم الجراح.
لقد دعاهم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ودعاهم وحدهم. وكانت هذه الدعوة وما تلاها من استجابة تحمل إيحاءات شتى ، وتومئ إلى حقائق كبرى ، نشير إلى شيء منها :
فلعل رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ شاء ألا يكون آخر ما تنضم عليه جوانح المسلمين ومشاعرهم ، هو شعور الهزيمة ، وآلام البرح والقرح ؛ فاستنهضهم لمتابعة قريش ، وتعقبها ، كي يقر في أخلادهم أنها تجربة وابتلاء ، وليست نهاية المطاف. وأنهم بعد ذلك أقوياء ، وأن خصومهم المنتصرين ضعفاء ، إنما هي واحدة وتمضي ، ولهم الكرة عليهم ، متى نفضوا عنهم الضعف والفشل ، واستجابوا لدعوة الله والرسول.
ولعل رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ شاء في الجانب الآخر ألا تمضي قريش ، وفي جوانحها ومشاعرها أخيلة النصر ومذاقاته. فمضى خلف قريش بالبقية ممن حضروا المعركة أمس ؛ يشعر قريشا أنها لم تنل من المسلمين منالا. وأنه بقي لها منهم من يتعقبها ويكر عليها ..
وقد تحققت هذه وتلك كما ذكرت روايات السيرة.
ولعل رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ شاء أن يشعر المسلمين ، وأن يشعر الدنيا كلها من ورائهم ، بقيام هذه الحقيقة الجديدة التي وجدت في هذه الأرض .. حقيقة أن هناك عقيدة هي كل شيء في نفوس أصحابها. ليس لهم من أرب في الدنيا غيرها ، وليس لهم من غاية في حياتهم سواها. عقيدة يعيشون لها وحدها ، فلا يبقى لهم في أنفسهم شيء بعدها ، ولا يستبقون هم لأنفسهم بقية في أنفسهم لا يبذلونها لها ، ولا يقدمونها فداها ..
لقد كان هذا أمرا جديدا في هذه الأرض في ذلك الحين. ولم يكن بد أن تشعر الأرض كلها ـ بعد أن يشعر المؤمنون ـ بقيام هذا الأمر الجديد ، وبوجود هذه الحقيقة الكبيرة.
__________________
(١) ص ٤٦٢ ، ٤٦٣ ، ٤٦٤ ، ٤٦٥ من هذا الجزء ..
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
