يشعرون أن ليس لهم من الأمر شيء ، إنما الأمر كله لله أولا وأخيرا.
وبذلك يرد أمر الناس ـ طائعهم وعاصيهم ـ إلى الله. فهذا الشأن شأن الله وحده ـ سبحانه. شأن هذه الدعوة وشأن هؤلاء الناس معها : طائعهم وعاصيهم سواء .. وليس للنبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وليس للمؤمنين معه إلا أن يؤدوا دورهم ، ثم ينفضوا أيديهم من النتائج ، وأجرهم من الله على الوفاء ، وعلى الولاء ، وعلى الأداء.
وملابسة أخرى في السياق اقتضت هذا التنصيص : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) فسيرد في السياق قول بعضهم : (هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ؟) .. وقولهم : (لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا.) .. ليقول لهم : إن أحدا ليس له من الأمر من شيء. لا في نصر ولا في هزيمة. إنما الطاعة والوفاء والأداء هي المطلوبة من الناس. وأما الأمر بعد ذلك فكله لله. ليس لأحد منه شيء. ولا حتى لرسول الله .. فهي الحقيقة الأصيلة في التصور الإسلامي. وإقرارها في النفوس أكبر من الأشخاص وأكبر من الأحداث ، وأكبر من شتى الاعتبارات ..
١٢٩ ـ ويختم هذا التذكير ببدر ، وهذا التقرير للحقائق الأصيلة في التصور ، بالحقيقة الشاملة التي ترجع إليها حقيقة أن أمر النصر والهزيمة مرده إلى حكمة الله وقدره .. يختم هذا التقرير بتقرير أصله الكبير : وهو أن الأمر لله في الكون كله ، ومن ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وفق ما يشاء :
(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ..
فهي المشيئة المطلقة ، المستندة إلى الملكية المطلقة. وهو التصرف المطلق في شأن العباد ، بحكم هذه الملكية لما في السماوات وما في الأرض. وليس هنالك ظلم ولا محاباة للعباد ، في المغفرة أو في العذاب. إنما يقضي الأمر في هذا الشأن بالحكمة والعدل ، وبالرحمة والمغفرة. فشأنه ـ سبحانه ـ الرحمة والمغفرة :
(وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ..
والباب مفتوح أمام العباد لينالوا مغفرته ورحمته ، بالعودة إليه ، ورد الأمر كله له ، وأداء الواجب المفروض ، وترك ما وراء ذلك لحكمته وقدره ومشيئته المطلقة من وراء الوسائل والأسباب.
* * *
١٣٠ ـ وقبل أن يدخل السياق في صميم الاستعراض للمعركة ـ معركة أحد ـ والتعقيبات على وقائعها وأحداثها .. تجيء التوجيهات المتعلقة بالمعركة الكبرى ، التي ألمعنا في مقدمة الحديث إليها. المعركة في أعماق النفس وفي محيط الحياة .. يجيء الحديث عن الربا والمعاملات الربوية وعن تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله. وعن الإنفاق في السراء والضراء ، والنظام التعاوني الكريم المقابل للنظام الربوي الملعون. وعن كظم الغيظ والعفو عن الناس وإشاعة الحسنى في الجماعة. وعن الاستغفار من الذنب والرجوع إلى الله وعدم الإصرار على الخطيئة :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً ، وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ. وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ـ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ؟ ـ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها. وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ) ..
تجيء هذه التوجيهات كلها قبل الدخول في سياق المعركة الحربية ؛ لتشير إلى خاصية من خواص هذه العقيدة :
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
