والآية الأولى تقرر حق المتوفى عنها زوجها في وصية منه تسمح لها بالبقاء في بيته والعيش من ماله ، مدة حول كامل ، لا تخرج ولا تتزوج إن رأت من مشاعرها أو من الملابسات المحيطة بها ما يدعوها إلى البقاء .. وذلك مع حريتها في أن تخرج بعد أربعة أشهر وعشر ليال كالذي قررته آية سابقة. فالعدة فريضة عليها. والبقاء حولا حق لها .. وبعضهم يرى أن هذه الآية منسوخة بتلك. ولا ضرورة لافتراض النسخ ، لاختلاف الجهة كما رأينا. فهذه تقرر حقا لها إن شاءت استعملته. وتلك تقرر حقا عليها لا مفر منه :
(فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) ..
وكلمة (عَلَيْكُمْ) توحي بمعنى الجماعة المتضامنة المسئولة عن كل ما يقع فيها. فالجماعة هي التي يناط بها أمر هذه العقيدة وأمر هذه الشريعة وأمر كل فرد وكل فعل في محيطها. وهي التي يكون عليها جناح فيما يفعل أفرادها أو لا يكون .. ولهذا الإيحاء قيمته في إدراك حقيقة الجماعة المسلمة وتبعاتها ، وفي ضرورة قيام هذه الجماعة لتقوم على شريعة الله وتحرسها من خروج أي فرد عليها. فهي المسئولة في النهاية عن الأفراد في الصغيرة والكبيرة. والخطاب يوجه إليها بهذه الصفة لتقرير هذه الحقيقة في حسها وفي حس كل فرد فيها .. والتعقيب :
(وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ..
للفت القلوب إلى قوة الله. وحكمته فيما يفرض وما يوجه. وفيه معنى التهديد والتحذير ..
٢٤١ ـ والآية الثانية تقرر حق المتاع للمطلقات عامة ، وتعلق الأمر كله بالتقوى :
(وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ).
وبعضهم يرى أنها منسوخة كذلك بالأحكام السابقة .. ولا حاجة لافتراض النسخ. فالمتاع غير النفقة .. ومما يتمشى مع الإيحاءات القرآنية في هذا المجال تقرير المتعة لكل مطلقة. المدخول بها وغير المدخول بها. المفروض لها مهر وغير المفروض لها. لما في المتعة من تندية لجفاف جو الطلاق ، وترضية للنفوس الموحشة بالفراق. وفي الآية استجاشة لشعور التقوى ، وتعليق الأمر به. وهي الضمان الأكيد والضمان الوحيد.
٢٤٢ ـ والآية الثالثة تعقيب على الأحكام السابقة جميعا :
(كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ..
كذلك .. كهذا البيان الذي سلف في هذه الأحكام .. وهو بيان محكم دقيق موح مؤثر .. كذلك يبين الله لكم آياته عسى أن تقود كم إلى التعقل والتدبر فيها ، وفي الحكمة الكامنة وراءها ، وفي الرحمة المتمثلة في ثناياها ، وفي النعمة التي تتجلى فيها. نعمة التيسير والسماحة ، مع الحسم والصرامة ، ونعمة السلام الذي يفيض منها على الحياة.
ولو تعقل الناس وتدبروا هذا المنهج الإلهي لكان لهم معه شأن .. هو شأن الطاعة والاستسلام والرضى والقبول .. والسلام الفائض في الأرواح والعقول ..
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
