الخير العميم. ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم. وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته ؛ ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذا من الله أن فوّت عليه هذا المطلوب في حينه. وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثا يكاد يتقطع لفظاعتها. ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل.
إن الإنسان لا يعلم. والله وحده يعلم. فماذا على الإنسان لو يستسلم؟
إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية. لتؤمن وتسلم وتستسلم في أمر الغيب المخبوء ، بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف ..
* * *
٢١٧ ـ ومن قيادة الجماعة إلى السلم كانت الفتوى التالية في أمر القتال في الشهر الحرام :
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ؟ قُلْ : قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ. وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ؛ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ ؛ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ، وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا ، وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ..
وقد جاء في روايات متعددة أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش ـ رضي الله عنه ـ وكان رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قد بعثه مع ثمانية من المهاجرين ليس فيهم أحد من الأنصار ومعه كتاب مغلق وكلفه ألا يفتحه حتى يمضي ليلتين. فلما فتحه وجد به : «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بطن نخلة ـ بين مكة والطائف ـ ترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم .. ولا تكرهن أحدا على المسير معك من أصحابك» ـ وكان هذا قبل غزوة بدر الكبرى. فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال : سمعا وطاعة. ثم قال لأصحابه : قد أمرني رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن أمضي إلى بطن نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منها بخبر. وقد نهى أن أستكره أحدا منكم. فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع ، فأنا ماض لأمر رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف أحد منهم. فسلك الطريق على الحجاز حتى إذا كان ببعض الطريق ضل بعير لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان ـ رضي الله عنهما ـ فتخلفا عن رهط عبد الله بن جحش ليبحثا عن البعير ومضى الستة الباقون. حتى إذا كانت السرية ببطن نخلة مرت عير لقريش تحمل تجارة ، فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون ، فقتلت السرية عمرا ابن الحضرمي وأسرت اثنين وفر الرابع وغنمت العير. وكانت تحسب أنها في اليوم الأخير من جمادى الآخرة. فإذا هي في اليوم الأول من رجب ـ وقد دخلت الأشهر الحرم ـ التي تعظمها العرب. وقد عظمها الإسلام وأقر حرمتها .. فلما قدمت السرية بالعير والأسيرين على رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قال : «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام». فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا. فلما قال ذلك رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ سقط في أيدي القوم ، وظنوا أنهم قد هلكوا ؛ وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش : قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه الأموال ، وأسروا فيه الرجال. وقالت اليهود تفاءلوا بذلك على محمد .. عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله ..
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
