١١٧ ـ (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ) ..
وتوجه الإرادة يتم بكيفية غير معلومة للإدراك البشري ، لأنها فوق طاقة الإدراك البشري. فمن العبث إنفاق الطاقة في اكتناه هذا السر ، والخبط في التيه بلا دليل!
١١٨ ـ وإذ ينتهي من عرض مقولة أهل الكتاب في ادعاء الولد لله ـ سبحانه ـ وتصحيح هذه المقولة وردها ، يتبعها بمقولة للمشركين فيها من سوء التصور ما يتسق مع سوء التصور عن أهل الكتاب :
(وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ : لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ! كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) ..
والذين لا يعلمون هم الأميون الذين كانوا مشركين ؛ إذ لم يكن لديهم علم من كتاب. وكثيرا ما تحدوا النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يكلمهم الله أو أن تأتيهم خارقة من الخوارق المادية .. وذكر هذه المقولة هنا مقصود لبيان أن الذين من قبلهم ـ وهم اليهود وغيرهم ـ طلبوا مثل هذا من أنبيائهم. فلقد طلب قوم موسى أن يروا الله جهرة ، وطلبوا وتعنتوا في طلب الخوارق المعجزة. فبين هؤلاء وهؤلاء شبه في الطبيعة ، وشبه في التصور ، وشبه في الضلال :
(تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) ..
فلا فضل لليهود على المشركين. وهم متشابهو القلوب في التصور والعنت والضلال :
(قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ..
والذي يجد راحة اليقين في قلبه يجد في الآيات مصداق يقينه ، ويجد فيها طمأنينة ضميره. فالآيات لا تنشئ اليقين ، إنما اليقين هو الذي يدرك دلالتها ويطمئن إلى حقيقتها. ويهيىء القلوب للتلقي الواصل الصحيح.
* * *
١١٩ ـ وإذا انتهت مقولاتهم ، وفندت أباطيلهم ، وكشفت الدوافع الكامنة وراء أضاليلهم ، يتجه الخطاب إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يبين له وظيفته ، ويحدد له تبعاته ، ويكشف له عن حقيقة المعركة بينه وبين اليهود والنصارى ، وطبيعة الخلاف الذي لا حل له إلا بثمن لا يملكه ولا يستطيعه! ولو أداه لتعرض لغضب الله مولاه ؛ وحاشاه!
(إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ، وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ. وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ. قُلْ : إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى ، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ. أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) ..
(إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ) .. وهي كلمة فيها من التثبيت ما يقضي على شبهات المضللين ، ومحاولات الكائدين ، وتلبيس الملفقين. وفي جرسها صرامة توحي بالجزم واليقين.
(بَشِيراً وَنَذِيراً) .. وظيفتك البلاغ والأداء ، تبشر الطائعين وتنذر العصاة ، فينتهي دورك.
(وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ) .. الذين يدخلون الجحيم بمعصيتهم ، وتبعتهم على أنفسهم.
١٢٠ ـ وسيظل اليهود والنصارى يحاربونك ، ويكيدون لك ، ولا يسالمونك ولا يرضون عنك ، إلا أن تحيد عن هذا الأمر ، وإلا أن تترك هذا الحق ، وإلا أن تتخلى عن هذا اليقين ، تتخلى عنه إلى ما هم فيه من ضلال وشرك وسوء تصور كالذي سبق بيانه منذ قليل :
![في ظلال القرآن [ ج ١ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3878_fi-zilal-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
