وتشير هذه الآية في آخرها إلى أنّ الله قد وهب بني إسرائيل في ذلك الزمان نعماً لم ينعم بها على أحد من أفراد البشر في ذلك الحين فتقول : (وَءَاتكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ). وكانت هذه النعم الوافرة كثيرة الأنواع ، فمنها نجاة بني إسرائيل من مخالب الفراعنة الطغاة وإنفلاق البحر لهم ونزول غذاء خاص عليهم مثل «المنّ والسلوى».
والآية التالية تبيّن واقعة دخول بني إسرائيل إلى الأرض المقدّسة نقلاً عن لسان نبيّهم موسى عليهالسلام فتقول : (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ).
والمراد بعبارة (الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ) الواردة في الآية ، كل أرض الشام التي تشمل جميع الاحتمالات الواردة ، لأنّ هذه الأرض ـ كما يشهد التاريخ ـ تعتبر مهداً للأنبياء ، ومهبطاً للوحي ، ومحلاً لظهور الأديان السماوية الكبرى ، كما أنّها كانت لفترت طوال من التاريخ مركزاً للتوحيد وعبادة الله الواحد الأحد ونشر تعاليم الأنبياء.
وقد واجه بنو إسرائيل دعوة موسى عليهالسلام للدخول إلى الأرض المقدسة مواجهة الضعفاء الجبناء الجهلاء ، الذين يتمنون أن تتحقق لهم الانتصارات في ظل الصدف والمعاجز دون أن يبادروا بأنفسهم إلى بذل جهد في هذا المجال ، وردّ هؤلاء على طلب موسى عليهالسلام بقولهم كما تنقله الآية : (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) (١).
ويدل جواب بني إسرائيل هذا على الأثر المشؤوم الذي خلّفه الحكم الفرعوني على نفوس هؤلاء.
والمراد من عبارة «قَوْمًا جَبَّارِينَ» فهم كما تدل عليه التواريخ قوم «العمالقة» (٢) الذين
__________________
(١) «جبّار» : مأخوذةً أو مشتقة من الأصل «جبر» أي إصلاح الشيء بالقسر والإرغام ، ولذلك سمّي إصلاح العظم المكسور «تجبيراً» فهذه الكلمة تطلق من جهة على كل نوع من التجبير والإصلاح ، ومن جهة اخرى تطلق على كل أنواع التسلط القسري ، وحين تطلق كلمة «جبّار» على الله سبحانه وتعالى فذلك إمّا لتسلطه على كل شيء ، أو لأنّه هو المصلح لكل موجود محتاج إلى الإصلاح.
(٢) «العمالقة» : قوم من العنصر السامي يعيشون في شمال شبه جزيرة العرب بالقرب من صحراء سيناء ، وقدهاجموا مصر واستولوا عليها لفترات طويلة ودامت حكومتهم حوالي ٥٠٠ عام منذ عام ٢٢١٣ قبل الميلاد حتى عام ١٧٠٣ قبل الميلاد (دائرة المعارف لفريد وجدي ٦٠ / ٢٣٢).
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
