الوسيلة التي يستعان بها لدفع الخطر. أمّا كلمة «ثبات» : فتفيد معنى المجموعات المتفرقة. والقرآن يخاطب عامة المسلمين في الآية المذكورة أعلاه ، ويقدم لهم اثنتين من التعاليم اللازمة لصيانة وجود المسلمين والمجتمع الإسلامي تجاه كل خطر يهدد هذا الوجود. ففي البداية تأمر الآية المؤمنين بالتمسك باليقظة والبقاء في حالة التأهب من أجل مواجهة العدو وتحذرهم من الغفلة عن هذا الامر : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ).
ثم تأمر الآية بالاستفادة من الأساليب والتكتيكات المختلفة في مواجهة العدو ، من ذلك الزحف على شكل مجموعات إن تطلب الأمر مثل هذا الأسلوب ، أو على شكل جيش موحّد مترابط إن استدعت المواجهة هجوماً شاملاً منسجماً وفي كلتا الحالتين لابد من المواجهة الجماعية (فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا).
الآية الكريمة هذه تشتمل على أمر عام مطلق لجميع المسلمين في كل العصور والأزمنة ، ويدعو هذا الأمر المسلمين إلى الالتزام باليقظة والاستعداد الدائم لمواجهة أي طارىء من جانب الأعداء ولحماية أمن الامة ، وذلك عن طريق التحلّي بالاستعداد المادي والمعنوي الدائمين.
(وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) (٧٣)
بعد صدور الأمر العام إلى المسلمين بالجهاد والاستعداد لمقابلة العدوّ في الآية السابقة تبين هاتان الآيتان موقف المنافقين من الجهاد ، وتفضح تذبذبهم ، فهم يصرّون على الإمتناع عن المشاركة في صفوف المجاهدين في سبيل الله ... (وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ) (١).
وحين يعود المجاهدون من ميدان القتال أو حين تصل أنباء معاركهم ، فإن كان قد أصابهم مكروه في قتالهم يتحدث المنافقون بابتهاج بأنّ الله قد أنعم عليهم نعمة كبيرة إذ لم يشاركوا المجاهدين في ذلك القتال ، ويفرحون لعدم حضورهم في مشاهد الحرب الرهيبة
__________________
(١) «ليبطّئنّ» : من «البطء» في الحركة ، وهو فعل لازم ومتعد. أي أنّهم يبطّؤون في حركتهم ويدعون الآخرين إلى البطء ، ولعلّ استعمال الفعل في باب التفعيل هنا يعني أنّه متعد فقط ، أي إنّهم يدفعون أنفسهم إلى البطء تارةً ويدفعون الآخرين إلى ذلك تارةً اخرى.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
