ونزلت اليهود في دور قريش ، فقال أهل مكة : إنّكم أهل كتاب ومحمّد صاحب كتاب ، فلا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم ، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما. ففعل. فذلك قوله (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) ، ثم قال كعب : يا أهل مكة! ليجيء منكم ثلاثون ومنّا ثلاثون فنلصق أكبادنا بالكعبة ، فنعاهد ربّ البيت لنجهدنّ على قتال محمّد! ففعلوا ذلك. فلمّا فرغوا قال أبو سفيان لكعب : إنّك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ، ونحن اميّون لا نعلم ، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق ، نحن أم محمّد؟
قال كعب : اعرضوا عليّ دينكم ، فقال أبو سفيان : نحن ننحر للحجيج الكوماء (١) ونسقيهم الماء ، ونقري الضيف ، ونفكّ العاني (٢) ، ونصل الرحم ، ونعمر بيت ربّنا ، ونطوف به ، ونحن أهل الحرم ، ومحمّد فارق دين آبائه ، وقاطع الرحم ، وفارق الحرم ، وديننا القديم ، ودين محمّد الحديث. فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمّد. فأنزل الله تعالى الآيات.
التّفسير
إنّ الآية الاولى من الآيتين الحاضرتين تعكس صفة اخرى من صفات اليهود الذميمة ، وهي أنّهم لأجل الوصول إلى أهدافهم كانوا يداهنون كل جماعة من الجماعات ، حتى أنّهم لكي يستقطبوا المشركين سجدوا لأصنامهم ، ولهذا يقول سبحانه في هذه الآية مستغرباً : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُتُوا نَصِيبًا مّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ» وهي الأصنام؟
ولكنهم لا يقتنعون بهذا ، ولا يقفون عند هذا الحدّ ، بل : (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَءَامَنُوا سَبِيلاً).
ثم إنّه سبحانه بيّن ـ في الآية الثانية ـ مصير أمثال هؤلاء المداهنين قائلاً : (أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا).
إنّ اليهود ـ كما تقول هذه الآية ـ لم يحصلوا من مداهنتهم الفاضحة على نتيجة ، بل انهزموا في النهاية ، وتحققت نبوءة القرآن الكريم في شأنهم.
إنّ الآيات الحاضرة وإن كانت قد نزلت في شأن جماعة خاصة ، ولكنها لا تختص بهم حتماً ، بل تشمل كل الأشخاص المداهنين المصلحيين (الانتهازيين) الذين يضحّون
__________________
(١) الكوماء : الناقة العظيمة السنام.
(٢) العاني : الأسير.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
