والتفاوت أسرار خفية عنكم غير ظاهرة لكم. على أنّه يجب أن لا نتصور خطأ أنّ الآية الحاضرة تشير إلى التفاوت المصطنع الذي برز نتيجة الاستعمار والاستغلال الطبقي.
ولذا عقّب الله سبحانه على الجملة السابقة بقوله : (لِّلرّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبْنَ). أي : لكل من الرجال والنساء نصيب من سعيه وجهده ومكانته سواء كانت مكانة طبيعية (كالتفاوت والفرق بين جنسي الرجل والمرأة) أو غير طبيعية ناشئة عن التفاوت بسبب الجهود الإختيارية.
ثم يقول : (وَاسْئَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ). أي : بدل أن تتمنّوا هذا التفضيل والتفاوت اطلبوا من فضل الله واسألوا من لطفه وكرمه أن يتفضل عليكم من نعمه المتنوعة وتوفيقاته ومثوباته الطيبة لتكونوا ـ بنتيجة ذلك ـ سعداء رجالاً ونساء ، ومن أي عنصر كنتم ، وعلى كل حال اطلبوا واسألوا ما هو خيركم وسعادتكم واقعاً.
(إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمًا). أي : يعلم ما يحتاج إليه نظام المجتمع وما يلزمه من الفروق سواء من الناحية الطبيعية أو الحقوقية ، ولهذا لا وجود للظلم والحيف ولا لأي شيء من التفاوت الظالم والتمييز غير العادل في أفعاله ، كما أنّه تعالى خبير بما في بواطن الناس من الأسرار والخفايا والنوايا ويعلم من الذي يتمنّى الأماني الخاطئة في قلبه ، ومن يتمنّى الأماني الإيجابية الصحيحة البنّاءة.
(وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً) (٣٣)
يعود القرآن مرّة اخرى إلى مسألة الإرث إذ يقول : (وَلِكُلّ جَعَلنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) (١). أي : لكل رجل أو امرأة جعلنا ورثة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون الذي يجب أن يقسّم بينهم طبق برنامج خاص.
ثم إنّ الله تعالى يضيف قائلاً : (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). أي ادفعوا إلى الذين عقدتم معهم عقداً نصيبهم من الإرث.
__________________
(١) «الموالي» : جمع مولى ، وهي في الأصل من مادة الولاية بمعنى الإتّصال والإرتباط ، وتطلق على جميع الأفراد الذين يرتبط بعضهم ببعض بنوع من الإرتباط ، غاية ما هناك أنّها تكون في بعض الموارد بمعنى إرتباط الولي مع أتباعه ، وأمّا في الآية الحاضرة فتكون بمعنى الورثة.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
