ولهذا يستدل بها فقهاء الإسلام في جميع أبواب المعاملات والمبادلات المالية. إنّ هذه الآية تخاطب المؤمنين بقولها : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَاتَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ). وعلى هذا الأساس يندرج تحت هذا العنوان الكلي كل لون من ألوان العدوان ، والغش ، وجميع المعاملات الربوية ، والمعاملات المجهولة الخصوصيات تماماً ، وتعاطي البضائع التي لا فائدة فيها بحكم العقلاء ، والتجارة بأدوات اللهو والفساد والمعصية وما شاكل ذلك.
إنّ التعبير ب «الأكل» كناية عن كل تصرف ، سواء تمّ بصورة الأكل المتعارف أو اللبس ، أو السكنى أو غير ذلك ، تعبير رائج في اللغة العربية وغير العربية.
ثم إنّ الله سبحانه يقول معقباً على العبارات السابقة : (إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنكُمْ).
ثم إنّه تعالى ينهى في ذيل هذه الآية عن قتل الإنسان لنفسه إذ يقول : (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ). وظاهر هذه الجملة بقرينة قوله : (إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا). النهي عن الانتحار ، يعني أنّ الله الرحيم كما لا يرضى بأن تقتلوا أحداً ، كذلك لا يسمح لكم ولا يرضى بأن تقتلوا أنفسكم بأيديكم.
ويشير القرآن بذكر هذين الحكمين بصورة متتالية إلى نكتة اجتماعية مهمة ، وهي أنّ العلاقات الاقتصادية في المجتمع إذا لم تكن قائمة على أساس صحيح ، ولم يتقدم الاقتصاد الاجتماعي في الطريق السليم ، ووقع الظلم والتصرف العدواني في أموال الغير أصيب المجتمع بنوع من الإنتحار ، وآل الأمر إلى تصاعد حالات الانتحار الفردي مضافاً إلى الانتحار الجماعي الذي هو من آثار الانتحار الفردي ضمناً.
كما حذّر قائلاً : (وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَانًا وَظُلمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا) (١). أي إنّ من يعصي هذه الأحكام ويتجاهل هذا التحذير ، ويأكل أموال الآخرين بالباطل ودون استحقاق ، أو ينتحر بيديه لم يصبه العذاب الأليم في الدنيا فحسب ، بل ستصيبه نار الغضب الإلهي ، وهذا أمر هيّن على الله : (وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا).
(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) (٣١)
__________________
(١) «الصلي» : يعني في الأصل الإقتراب إلى النار ، ويطلق على التدفؤ والإحتراق والإكتواء بالنار أيضاً ، وقداستعملت في الآية الحاضرة في معنى الإحتراق بالنار.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
