التّفسير
لا تتخذوا الأعداء بطانة : هذه الآية التي جاءت بعد الآيات السابقة التي تعرضت لمسألة العلاقات بين المسلمين والكفّار ، تشير إلى قضايا حساسة بالغة الأهمية ، وتحذر المؤمنين ـ ضمن تمثيل لطيف ـ بأن لا يتخذوا من الذين يفارقونهم في الدين والمسلك أصدقاء يسرون إليهم ويخبرونهم بأسرارهم ، وأن لا يطلعوا الأجانب على ما تحتفظ به صدورهم وما خفي من نواياهم وأفكارهم الخاصة بهم ، قال سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَاتَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ). وهذا يعني أنّ الكفار لا يصلحون لمواصلة المسلمين ومصادقتهم ، كما لا يصلحون بأن يكونوا أصحاب سر لهم ، وذلك لأنّهم لا يتورعون عن الكيد والإيقاع بهم ما استطاعوا : (لَايَأْلُونَكُمْ خَبَالاً) (١).
فليست الصداقات والعلاقات بقادرة على أن تمنع اولئك الكفار ـ بسبب ما يفارقون به المسلمين في العقيدة والمسلك ـ من إضمار الشر للمسلمين ، وتمني الشقاء والعناء لهم (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ). أي أحبوا في ضمائرهم ودخائل نفوسهم لو أصابكم العنت والعناء.
إنّهم ـ لإخفاء ما يضمرونه تجاهكم ـ يحاولون دائماً أن يراقبوا تصرفاتهم ، وأحاديثهم كيلا يظهر ما يبطنونه من شر وبغض لكم ، بيد أنّ آثار ذلك العداء والبغض تظهر أحياناً في أحاديثهم وكلماتهم ، عندما تقفز منهم كلمة أو اخرى تكشف عن الحقد الدفين والحنق المستكن في صدورهم : (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ).
وقد أوضح الله سبحانه في هذه الآية إحدى سبل التعرف على بواطن الأعداء ودخائل نفوسهم ، ثم إنّه سبحانه يقول : (وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ). أي أنّ ما يبدو من أفواههم ما هي إلّاشرارة تحكي عن تلك النار القوية الكامنة في صدورهم.
ثم إنّه تعالى يضيف قائلاً : (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْأَيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ). أي أنّ ما ذكرناه من الوسيلة للتعرف على العدو أمر في غاية الأهمية لو كنتم تتدبرون فيه ، فهو يوقفكم على وسيلة جداً فعالة لمعرفة ما يكنّه الآخرون ويضمرونه تجاهكم ، وهو أمر في غاية الخطورة بالنسبة لأمنكم وحياتكم وبرامجكم.
__________________
(١) «الخبال» : في الأصل بمعنى ذهاب شيء وهي تطلق في الأغلب على الأضرار التي تؤثر على عقل الإنسان وتلحق به الضرر.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
