والإيمان ، وهذا هو اسلوب الإسلام الذي لا يعادي أحداً على أساس اللون والعنصر ، بل يعاديه على أساس اعتقادي محض ، ويكافحه إذا كانت أعماله لا تنطبق مع الحق والعدل والخير.
ثم إنّه سبحانه قال : (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ). معقباً بذلك على العبارات السابقة ومكملاً للآية ويعني بقوله أنّ هؤلاء الذين أسلموا واتخذوا مواقعهم في صفوف المتقين لن يضيع الله لهم عملاً ، وإن كانوا قد إرتكبوا في سابق حالهم ما ارتكبوه من الآثام ، وما إقترفوه من المعاصي ، ذلك لأنّهم قد أعادوا النظر في سلوكهم وأصلحوا مسارهم ، وغيروا موقفهم.
كيف (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) وكأنّ هذه العبارة التي يختم بها سبحانه الآية الحاضرة تشير إلى حقيقة من الحقائق الهامة وهي : أنّ المتقين وإن كانوا قلة قليلة في الأغلب ، وخاصة في جماعة اليهود الذين عاصروا النبي صلىاللهعليهوآله حيث كان المسلمون المهتدون منهم قلة ضعيفة ، ومن شأن ذلك أن لا تلفت كميتهم النظر ، ولكنهم مع ذلك يعلّمهم الله بعلمه الذي لا يعزب عنه شيء ، فلا موجب للقلق ، ولا داعي للاضطراب ما دام سبحانه يعلم بالمتقين على قلتهم ، ويعلم بأعمالهم ، فلا يضيعها أبداً قليلة كانت أو كثيرة.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (١١٧)
في مقابل العناصر التي تبحث عن الحقّ ، وتؤمن به من الذين وصفتهم الآية السابقة ، هناك عناصر كافرة ظالمة وصفهم الله سبحانه في هاتين الآيتين بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلدُهُم مِّنَ اللهِ شَيًا) لأنّه لا ينفع في الآخرة سوى العمل الصالح والإيمان الخالص لا الإمتيازات المادية ، في هذه الحياة : (يَوْمَ لَايَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَىَ اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (١).
إنّ القرآن ينادي بصراحة بأنّ الإمتيازات المالية والقدرة البشرية الجماعية لا تعد
__________________
(١) سورة الشعراء / ٨٨ و ٨٩.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
