__________________
= والباطنة دالة على ربوبية الرب. ونظام الكون وتدبير شئون المخلوقات دال على ملكوته. وربوبيته ، وملكوته دلا على أنه عزوجل المتفرد فى ألوهيته بلا منازع ، لا يشاركه فى مرتبته القدسية مشارك ، فاشتملت الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان ، كما تضمنت معانى الأسماء الحسنى. لذا اندرجت فى هذه الاستعاذة جميع وجوه الاستعاذات المطلوبة من وجوه الربوبية والملك والألوهية ، لئلا يقع خلل أو يطرأ فساد على وجه من تلك الوجوه فيضل العبد ويقشى. وفى هذا إشعار أيضا بعظم الآفة المستعاذ منها. وتأكيدا لكل وجه منها لم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة.
ولما أكمل الاستعاذة من جميع وجوهها المتعاذ بها ، ذكر المستعاذ منه فقال : (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ) والمراد الموسوس : سمى بفعله إعلاما بأن صنعته التى لا يحسن غيرها والتى بلغ فيها منتهى الضراوة هى الوسوسة : هى الكلام الخفى ، وتكون بإلقاء المعانى إلى القلب ، فإن النفث بهذه الكيفية آكد للوصول إلى المقصود. ويتم ذلك بكيفية تجعل الحديث أحلى ، والقدرة على التزيين أشد. والتمكن من إثارة الشهوة وكذا ، ليفضحه فإذا ما افتضح ، وسوس إليه بالإصرار والمجاهرة بما هو عليه ، فتصبح الرذيلة طبعا ملازما له. ثم وصفه بألصق صفاته به : فقال : (الْخَنَّاسِ). وفى هذا من دلائل الإعجاز :
* بيان أن داء الوسوسة عظيم وخطره جسيم ، ومن رحمته تعالى بعباده أن بيّن لهم وداء هذا الداء ألا وهو ذكره جل وعز فإنه المقامع التى تقمع الشياطين.
* بيان أن الشيطان عند ذكره تعالى لا ينصرف إلى غير رجعة بل يخنس ويتأخر لشدة نفوره من ذكره تعالى وفرقا من أنوار الذكر. ويظل مترقبا انقطاع العبد عن الذكر بلا ملل من ترقبه ، فإذا انقطع عاد إلى الوسوسة ومن انقطاع عدم الحضور فى الذكر.
التنبيه إلى مداومة الشيطان للوسوسة وعدم رجوعه عنها مطلقا ، يستلزم مداومة الذكر لطرد الخناس وصرفه والتحرز من شره وكيده.
* التنبيه إلى أن عداوة الشيطان للناس جبلة غريزية فيه ، يدور وجوده معها ، فلا يكف عن الوسوسة إلى الناس بحال ما لم يقمعه العبد بذكر الله تعالى.
فكانت خاتمة القرآن العظيم متصلة بأوله تمام الاتصال : وذلك أنه لما انقضى مقصود الكتاب العزيز بجملته ، أنهت سورة الإخلاص إلى العالمين : عظمة منزله بالإنباء عن وحدانيته وأحديته وصمدانيته مما يقتضى انفراده بصفات الجلال والكمال اللائق بمرتبة من ليس كمثله شىء ، واستحقاقه المطلق لكمال التوجه إليه وإخلاص العبودية له تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه سبحانه. وكثر نزول [قل] فى ابتداء السور من أواخر القرآن العظيم إعلاما بالإحاطة الإلهية الشاملة ، والعناية الكاملة بمن اختصه عزوجل بمرتبة تلقى كلامه وتبليغ كتابه إلى العالمين ، وإطلاق الأمر ، أفاد عموم الرسالة ، كما أعلم أن مبلغ هذا القرآن العظيم ، هو أعلى الخلائق قدرا وأشرفهم منزلة صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
واختتم القرآن بالمعوذتين اللتين جمعتا جميع مراتب الاستعاذة المطلوبة عند تلاوة الذكر الحكيم واتصلت أخراهما بالبسملة المتصلة بأول سورة الفاتحة ، فاتصلت البسملة بالثناء على الله عزوجل ، وبتمجيده تعالى ، وإفراده سبحانه بالعبادة ، والاستعانة به تعالى إيذانا باتصال آخر القرآن الكريم بأوله تمام الاتصال ف (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً).
