بتحريم الحلال ، ولا بإضاعة المال ، وإنما الزهد أن تكون بما فى يد الله أوثق منك بما فى يدك ، وأن تكون فى ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك. انتهى المقصود منه.
ثم وسّع على نبيه فى القسمة ، فقال :
(تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١))
يقول الحق جل جلاله لرسوله صلىاللهعليهوسلم : (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ) أي : تؤخرها فى القسمة ، (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ) أي : تضمها إليك ، والمعنى : تترك مضاجعة من تشاء منهن وتضاجع من تشاء ، فقد خيّره الله فى القسمة وعدمها. قال أبو رزين : لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلّقن ، فقلن : يا نبىّ الله ؛ اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ، ودعنا على حالنا (١) ، فكان ممن أرجى منهن : سودة ، وجويرية ، وصفية ، وميمونة ، وأم حبيبة ، فكان يقيم لهن ما يشاء ، وكان ممن آوى إليه عائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وزينب ، فكان يقسم لهن بالسوية (٢) ، لا يفضل بعضهن على بعض. فآوى أربعا وأرجى خمسا. وقيل : إنه كان صلىاللهعليهوسلم يسوّى بين الجميع فى القسم ، إلا سودة ، فإنها وهبت ليلتها لعائشة ، حين هم بطلاقها ، وقالت : لا تطلّقنى حتى أحشر فى زمرتك وفى نسائك. والجمهور على أنه صلىاللهعليهوسلم كان يعدل فى القسمة بين نسائه ، أخذا منه بأفضل الأخلاق ، مع أن الله خيّره. وقيل : (ترجى من تشاء) أي : تطلق من تشاء منهن ، وتمسك من تشاء. وقيل : تترك تزوج من شئت من أمتك ، وتتزوج من شئت.
(وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ) أي : ومن دعوت إلى فراشك ، وطلبت صحبتها ، ممن عزلت عن نفسك بالإرجاء ، فلا ضيق عليك فى ذلك ، أي : ليس إذا عزلتها من القسمة ، أو من العصمة ، لم يجز لك ردّها إلى نفسك ، بل افعل ما شئت ، فلا حرج عليك. (ذلِكَ) التفويض إلى مشيئتك (أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَ) أي : هو أقرب إلى قرة أعينهن ، وقلة حزنهن ، ورضاهن جميعا ؛ لأنه إذا علمن أنّ هذا الحكم من عند الله اطمأنت نفوسهنّ ، وذهب التغاير ، وحصل الرضا ، وقرّت العيون.
__________________
(١) أخرجه بمعناه الطبري (٢٢ / ٢٦) عن أبى رزين. وانظر أسباب النزول للواحدى (ص : ٣٧١).
(٢) عزاه الحافظ ابن حجر فى الكافي (ص ١٣٥ ح ٢٣٢) لابن أبى شيبة ، وعبد الرزّاق ، عن أبى رزين ، وهذا مرسل.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٤ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3805_albahr-almadid-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
