وحكم التخيير فى الطلاق : أنه إذا قال لها : اختاري ، فقالت : اخترت نفسى ، أن تقع تطليقة واحدة بائنة ، وإذا اختارت زوجها ؛ لم يقع شىء. قاله النسفي. وقال ابن جزى : وإذا اختارت المرأة الطلاق ؛ فمذهب مالك : أنه ثلاث ، وقيل : طلقة بائنة. وقيل : رجعية. ووصف السراح بالجميل ؛ يحتمل أن يريد أنه دون الثلاث ، أو : يريد الثلاث ، وجماله : حسن المرعى ، والثناء ، وحفظ العهد. ه.
(وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَ) ، «من» : للببان ، (أَجْراً عَظِيماً) ، فاخترن ـ رضى الله عنهن ـ ما هو مناسب لحاله ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، حين خيّر بين أن يكون نبيا عبدا ، أو نبيا ملكا ، فاختار أن يكون نبيا عبدا ، لا ملكا. فاخترن العبودية ، التي اختارها ـ عليه الصلاة والسلام.
الإشارة : ينبغى لمن قلّده الله نساء متعددة أن يخيّرهن ، اقتداء برسول الله صلىاللهعليهوسلم ؛ إذ لا يخلو من حال الغيرة ، فإذا خيّرهن فينبغى أن يغيب عن تشغيبهن ، ولم يصغ بأذنه إلى حديثهن ، ولا ينبغى أن يغتم من أجل الغيرة ، فإنها طبع لازم للبشر ، وليقدّر فى نفسه : أنه إذا تزوجت زوجته غيره ، وهى فى عصمته ، هل يقدر على ذلك أم لا ، فالأمر واحد. والله أعلم.
قال القشيري : لم يرد أن يكون قلب واحد من المؤمنين والمؤمنات منه فى شغل ، أو يعود إلى واحد منهم أذى ، أو تعب من الدنيا ، فخيّر صلىاللهعليهوسلم بأمر ربه نساءه ، ووفق الله عائشة ، حتى أخبرت عن صدق قلبها ، وكمال دينها ويقينها ، وما هو المنتظر من أصلها ونيتها. والباقيات جرين على منهاجها ، ونسجن على منوالها. ه.
ثم هددهن وبشّرهن ، فقال :
(يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١))
يقول الحق جل جلاله : (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ) ؛ بسيئة بليغة فى القبح (مُبَيِّنَةٍ) ؛ ظاهر فحشها ، من : بيّن ، بمعنى : تبيّن. وقرأ المكي وشعبة بفتح الياء ، وهى عصيانهنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ونشوزهن. قال فى المقدمات : كل فاحشة نعتت فى القرآن بالبينة فهى بالنطق ، والتي لم تنعت بها زنى. ه. (يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ) أي : ضعفى عذاب غيرهنّ من النساء ؛ لأن الذنب منهن أقبح ؛ فإنّ قبح الذنب يتبع زيادة فضل
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٤ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3805_albahr-almadid-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
