(إِلَّا قَلِيلاً) ؛ إلا إتيانا قليلا ، أو يحضرون ساعة ؛ رياء ، ويقفون قليلا ، مقدار ما يرى شهودهم ثم ينصرفون. (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) ؛ جمع شحيح ، وهو البخيل ، نصب على الحال من ضمير (يَأْتُونَ) أي : لا يأتون الحرب ؛ بخلا عليكم بالمعاونة أو بالنفقة فى سبيل الله ، أو : فى الظفر والغنيمة ، أي : عند الظفر وقسم الغنيمة. (فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ) من قبل العدو ، أو : منه صلىاللهعليهوسلم ، (رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) ؛ فى تلك الحالة ، (تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ) يمينا وشمالا (كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) ؛ كما ينظر المغشى عليه من معالجة سكرات الموت ؛ حذرا وخوفا ولواذا بك.
(فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ) أي : زال ذلك الخوف وأمنوا ، وحيزت الغنائم (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ) ؛ خاطبوكم مخاطبة شديدة ، وآذوكم بالكلام ، يقال : خطيب سلق : فصيح ، ورجل مسلق وسلّاق : مبالغ فى الكلام. يعنى : بسطوا ألسنتهم فيكم ، وقت قسم الغنيمة ، ويقولون : أعطنا ، أعطنا ؛ فإنا قد شهدنا معكم ، وبمكاننا غلبتم عدوكم. (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) أي : خاطبوكم ؛ أشحة على المال والغنيمة. فهو حال من فاعل سلقوكم ، فهم أشح القوم عند القسم ، وأجبنهم عند الحرب ، (أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا) فى الحقيقة ، بل بالألسنة فقط ، (فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ) ؛ أبطلها ، بإضمار الكفر مع ما أظهروا من الأعمال الخبيثة ، (وَكانَ ذلِكَ) الإحباط (عَلَى اللهِ يَسِيراً) ؛ هينا.
الإشارة : هذه صفة منافقى الصوفية ، يدخلون معهم على تذبذب ، فإذا رأوا قوما توجهوا لخرق عوائدهم وتخريب ظواهرهم ، أو : أرادوا الخروج عن دنياهم ؛ عوّقوهم عن ذلك ، وثبطوهم ، وكذلك إذا توجهوا فى سفر لشقة بعيدة ؛ عوقوهم ؛ ليستتروا بهم ، وقالوا لإخوانهم فى الطريق : هلم إلينا ، ولا يأتون مكان حرب أنفسهم إلا قليلا. أشحة بأنفسهم عليكم ، فإذا جاء الخوف ، وتجلى لهم الحق تعالى باسمه الجليل ؛ بأن نزلت بالفقراء محنة ، رأيتهم ينظرون إليك ، تدور أعينهم ، نظر المغشى عليه من الموت ، فإذا ذهب الخوف ، وجاء النصر والعز ؛ سلقوكم بألسنة حداد ، وقالوا : إنا كنا معكم ، أولئك لا نصيب لهم مما للقوم من الخصوصية. والله تعالى أعلم.
ثم تمم وصفهم ، فقال :
(يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً (٢٠))
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٤ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3805_albahr-almadid-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
