تصدير
قد قيل ان منشأ الاعتزال من اصل سياسي ؛ ولكن هذا القول ؛ وان وجدت دلائل قد تؤكده ، موضع نزاع وشكّ في بعض النقاط عند العلماء ، واما اقوال المعتزلة في المسائل الكلامية فليس فيها لمثل تلك الشكوك مجال ، وذلك ان اقوال المعتزلة وان كانت صيغتها المتأخرة جملة قد صاغتها عقلية نظرية فان جوهرها لا ريب انه يرجع الى تديّن القدرية ، ولهذا فليس عن طريق الصدفة او العرض ان اصبحت حلقة الحسن البصري منبتا للاعتزال ، كما قال الاستاذ ه. ريتر (H.Ritter) في مجلة «الاسلام» (DerIslam) ٢١ ص ٦٥ : «لم تواصل فيما يبدو تشديد المعاصي الذي كان يستعمله الحسن فرقة غير المعتزلة» ، فانها تلقّت تديّن الحسن ـ ولو من الجهة القدرية فقط ـ وأدامته ، فليس من مجرّد وجهة نظر اهل السنّة المتأخّرين الذين كانوا اكتسبوا شعورا بكيانهم من المناظرات الكلامية الجارية بينهم وبين مخالفيهم ان يجوز الجمع بين القدرية والمعتزلة بالذكر ، بل يمكن ان يقال ان الاعتزال والقول بالقدر كانا اوائل الاسلام مذهبا واحدا ولم يكن افتراقهما فيما بعد ـ اذا اعتبرنا الاصل الجوهري ـ الا ظاهرة تأريخية ثانوية نسبيّا ؛ ومن المعلوم ان مسئلة «المنزلة بين المنزلتين» كانت كالخطّ الفاصل بين القدرية والمعتزلة ، ولكن مع هذا بقي القول بالقدر اساسا محكما عند المعتزلة حتى المتأخّرين منهم فكان يمكن ان يكون الرجل من المعتزلة وهو منسوب الى احدى الفرق الاخرى من الرافضة الى المرجئة واما ان يكون رجل من المعتزلة منكرا للقدر او ان يكون جبريّ معتزليّا فمن المحال.
ومما انفردت به القدرية فيما بين الفرق الاسلامية القديمة ان مسئلة الامامة
