قلت : (يوم يأتيهم) : مفعول ثان لأنذر ، ولا يصح أن يكون ظرفا. و (نجب دعوتك) ؛ جواب الأمر.
يقول الحق جل جلاله : (وَلا تَحْسَبَنَ) أيها السامع ، أن (اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) ، أو أيها الرسول ، بمعنى : دم على ما أنت عليه من أن الله مطلع على أفعالهم ، لا تخفى عليه خافية ، غير غافل عنهم. وهو وعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة. وقيل : إنه تسلية للمظلوم ؛ وتهديد للظالم ؛ فالحق تعالى يمهل ولا يهمل. (إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ) ، أي : يؤخر عذابهم (لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) ، أي : تحد فيه النظر ، من غير أن تطرف ؛ من هول ما ترى.
(مُهْطِعِينَ) : مسرعين إلى الداعي ؛ مذلة واستكانة ، كإسراع الأسير والخائف ونحوه. أو مقبلين بأبصارهم ، لا يطرفون ؛ هيبة وخوفا ، (مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ) : رافعيها إلى السماء كرفع الإبل رأسها عند رعيها أعالى الشجر. وذلك من شدة الهول ، أو من أجل الغل الذي فى عنقه ، كقوله : (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) (١). وقال الحسن فى هذه الآية : وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. ه. (لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) ، بل تقف أعينهم شاخصة لا تطرف ، أو : لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم ، (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ) : خلاء ، محترقة ، فارغة من الفهم ، لا تعى شيئا ؛ لفرط الحيرة والدهشة. ومنه يقال للأحمق وللجبان : قلبه هواء ، أي : لا رأى فيه ولا قوة. وقيل : خالية من الخير ، خاوية من الحق.
(وَأَنْذِرِ النَّاسَ) يا محمد ، أي : خوفهم هذا اليوم ، وهو : (يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ) ، يعنى يوم القيامة ، أو يوم الموت ؛ فإنه أول مطلع عذابهم ، (فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا) بالشرك والتكذيب : (رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي : أخّر العذاب عنا ، وردنا إلى الدنيا ، وأمهلنا إلى أجل قريب ، (نُجِبْ دَعْوَتَكَ) حينئذ (وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) ، ونظيره : (لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (٢). قال تعالى لهم : (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ) أنكم باقون فى الدنيا ، (ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ) عنها بالموت ولا بغيره ، ولعلهم أقسموا بطرا وغرورا. أو دل عليه حالهم ؛ حيث بنوا مشيدا ، وأمّلوا بعيدا. أو أقسموا أنهم لا ينقلون إلى دار أخرى ، وأنهم إذا ماتوا لا يزالون عن تلك الحالة ، ولا ينقلون إلى دار الجزاء ، كقوله : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ) (٣).
(وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالكفر والمعاصي ، من الأمم السالفة كعاد وثمود ، (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ) بما تشاهدون من آثارهم الدارسة ، وديارهم الخربة ، وما تواتر عندكم من أخبارهم ،
__________________
(١) الآية ٨ من سورة يس.
(٢) الآية ١٠ من سورة المنافقون.
(٣) الآية ٣٨ من سورة النحل.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
