لا تنبت ، والوادي : ما بين الجبلين ، وإن لم يكن فيه ماء. ولم يقل : ولا ماء ، ولعله علم بوحي أنه سيكون فيه الماء ، (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) الذي حرّمه على الجبابرة من التعرض له والتهاون به ، أو : لم يزل محترما تهابه الجبابرة ، أو منع منه الطوفان ، فلم يستأصله ويمح أثره. وهذا الدعاء وقع منه أول ما قدم ، ولم يكن موجودا ، فلعله قال ذلك باعتبار ما كان ، أي : عند أثر بيتك المحرم ، أو باعتبار ما يؤول إليه من بنائه وعمارته واحترامه.
وقصة إنزاله ولده بمكة : أن هاجر كانت مملوكة لسارة ، وهبها لها جبار من الجبابرة ؛ وذلك أن إبراهيم عليهالسلام دخل مدينة ، وكان فيها جبار يغصب النساء الجميلات ، فأخذها ، وأدخلها بيتا ، فلما دخل عليها دعت عليه ، فسقط ، ثم قالت : يا رب إن مات قتلونى فيه ، فقام. فلما دنا منها ، دعت عليه ، فسقط ، فقال فى الثالثة : ما هذه إلا شيطانة ، أخرجوها عنى ، وأعطوها هاجر ، فعصمها الله منه ، وأخدمها هاجر ، ثم وهبتها لإبراهيم ، فوطئها فحملت بإسماعيل ، فلما ولدته غارت منها ، فتعب إبراهيم معها ، ثم ناشدته سارة أن يخرجها من عندها ، فركب البراق ، وخرج بها تحمل ولدها حتى أنزلها مكة ، تحت دوحة ، قريبا من موضع زمزم. فلما ولى تبعته ، وهى تقول : لمن تتركنا فى هذه البلاد ، وليس بها أنيس؟ ثم قالت : أالله أمرك بهذا؟ قال : نعم ، قالت : إذا لا يضيعنا. فرجعت تأكل من مزود ، تم تركها لها ، وتشرب من قربة ماء ، فلما فرغ الماء نشف اللبن ، وجعل الولد يتخبط من العطش ، فجعلت تطوف من الصفا ، وكان جبلا صغيرا قريبا منها ، وتذهب إلى المروة ، وتسعى بينهما ، لعلها ترى أحدا ، فلما بلغت سبعة أطواف وسمعت صوتا فى الهواء ، فقالت : أغث إن كان معك غياث ، فتبدّى جبريل بين يديها حتى وصل إلى موضع زمزم ، فهمز بعقبه ففار الماء ، فلما رأته دهشت ، وخافت عليه يذهب ؛ فجعلت تحوطه ، وتقول : زم زم ، فانحصر الماء. قال صلىاللهعليهوسلم : «يرحم الله أمّ إسماعيل ، لو تركته ، كان عينا معينا» (١). فشربت ، ودرّ لبنها.
ثم إن جرهم رأوا طيورا تحوم ، فقالوا : لا طيور إلا على الماء. فقصدوا الموضع ، فوجدوها مع ابنها ، وعندها عين ، فقالوا لها : أتشركيننا فى مائك ، ونشركك فى ألباننا؟ ففعلت. وفى حديث البخاري : «قالوا لها : أتحبين أن نسكن معك؟ قالت : نعم ، ولكن لا حق لكم فى الماء». فرحلوا إليها ، وسكنوا معها ، ثم زوجوا ولدها منهم. وحديث إتيان إبراهيم يتعاهد ابنه ، وبنائهما الكعبة ، مذكور فى البخاري (٢) والسّير.
ثم قال : (رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) أي : ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع (٣) من كل مرتفق ومرتزق ، إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم. وتكرير النداء وتوسيطه ، للإشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثمّة. والمقصود من الدعاء : توفيقهم لها ، وقيل : اللام للأمر ، وكأنه طلب منهم الإقامة ، وسأل من الله أن يوفقهم لها. (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً
__________________
(١) أخرجه البخاري فى (أحاديث الأنبياء ، باب : تزفّون : النّسلان فى المشي) من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنه.
(٢) فى الموضع السابق ذكره.
(٣) البلقع : هى الأرض القفر التي لا شىء بها : انظر : اللسان (بلقع ١ / ٣٤٨).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
