لقوله : (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا) (١). (ذلِكَ) الميراث والإسكان (لِمَنْ خافَ مَقامِي) أي : قيامه للحساب بين يدى فى القيامة ، أو قيامى على عبادى ، وحفظى لأعمالهم ، واطلاعى على سرهم وعلانيتهم. أو خاف عظمة ذاتى وجلالى ، (وَخافَ وَعِيدِ) أي : وعيدي بالعذاب ، أو عذابى الموعود للكفار.
(وَاسْتَفْتَحُوا) أي : استفتح الرسل : طلبوا من الله الفتح على أعدائهم ، أو القضاء بينهم وبين أعاديهم ، كقوله : (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ) (٢) ؛ واستفتح الكفرة واستنصروا على غلبة الرسل ، على نحو قول أبى جهل فى غزوة بدر : اللهم ، أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا يعرف ، فأحنه الغداة ، أي : أهلكه. أو : استفتح الفريقان معا ، فكل واحد منهما سأل الله أن يهلك المبطل وينصر المحق. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن : بكسر التاء ؛ على الأمر للرسل بطلب الفتح. (وَخابَ) : خسر (كُلُّ جَبَّارٍ) : متكبر على الله ، (عَنِيدٍ) : معاند للحق ولمن جاء به. وهذا هو الفتح الذي فتح لهم ، وهو : خيبة المتكبرين وفلاح المؤمنين.
ثم ذكر مآل خيبتهم بقوله : (مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ) أي : أمامه وبين يديه ، فإنه مرصد بها ، واقف على شفيرها فى الدنيا ، مبعوث إليها بعد الموت فيلقى فيها ، (وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ) ، وهو ما يسيل من جلود الكفار من القيح والدم. (يَتَجَرَّعُهُ) : يتكلف جرعه ، أي : زهوقه فى حلقه. روى : «أن الكافر يؤتى بالشربة منه فيتكرهها ، فإذا أدنيت منه شوت وجهه ، وسقطت فيها فروة رأسه ، فإذا شربها قطعت أمعاءه» (٣). فيتجرعه (وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) أي : لا يقارب أن يسيغه ، أي : يبتلعه بصعوبة فكيف يسيغه ، بل يكلف به ويطول عذابه ثم يبتلعه ؛ لأن نفى «كاد» يقتضى الوقوع. والسوغ : جواز الشراب على الحلق بسهولة ، وهذا بخلافه. (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ) أي : أسباب الموت (مِنْ كُلِّ مَكانٍ) ؛ من أجل الشدائد التي تحيط به من جميع الجهات. أو : من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجليه. (وَما هُوَ بِمَيِّتٍ) فيستريح ، (وَمِنْ وَرائِهِ) : من بين يديه (عَذابٌ غَلِيظٌ) أي : يستقبل فى كل وقت عذابا أشد مما هو عليه ، وقيل : هو الخلود فى النار ، وقيل : حبس الأنفاس فى الأجساد. قاله الفضيل بن عياض. وقيل : قوله : (وَاسْتَفْتَحُوا) : كلام منقطع عن قصة الرسل ، بل نزل فى أهل مكة حين استفتحوا بطلب المطر فى السنة التي أخذتهم بدعوة الرسول صلىاللهعليهوسلم ، فخيب الله رجاءهم ولم يسقهم ، وأوعدهم أن يسقيهم ـ بدلا من سقياهم المطر ـ صديد أهل النار. قال معناه البيضاوي.
__________________
(١) من الآية ١٣٧ من سورة الأعراف.
(٢) من الآية ٨٩ من سورة الأعراف.
(٣) أخرجه أحمد فى المسند (٥ / ٢٦٥) والترمذي فى (أبواب صفة جهنم ، باب ما جاء فى صفة شراب أهل النار) والحاكم فى المستدرك (٢ / ٣٥١) وصححه ووافقه الذهبي ، عن أبى أمامة مرفوعا.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
