مضاف ، أي : من أهل القرية ، بدليل قوله : (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ) : خارجين عن طاعة الله ورسوله. (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا) أي : فى أهل رحمتنا ، أو جنتنا ، (إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم ، فنجيناه ؛ جزاء على صلاحه ، كما أهلكنا قريته ؛ عقابا على فسادهم.
(وَ) اذكر (نُوحاً) ، وقدّم هؤلاء عليه ؛ لتعلقهم بإبراهيم ، أي : خبره ، (إِذْ نادى) أي : دعا الله تعالى على قومه بالهلاك ، أي : اذكر نبأه الواقع وقت دعائه ، (مِنْ قَبْلُ) هؤلاء المذكورين ، (فَاسْتَجَبْنا لَهُ) دعاءه الذي من جملته قوله : (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) (١) ، (فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ) المؤمنين به ، من ولده وقومه ، (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) ، وهو الطوفان وتكذيب أهل الطغيان. وأصل الكرب : الغم الشديد ، (وَنَصَرْناهُ) نصرا مستتبعا للانتقام ، (مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي : منعناه من إذايتهم ، (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ) ، تعليل لما قبله ، (فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) ، صغيرهم وكبيرهم ، ذكرهم وأنثاهم ؛ لأن الإصرار على تكذيب الحق ، والانهماك فى الشر والفساد ، مما يوجب الإهلاك العام. والله تعالى أعلم.
الإشارة : نبى الله لوط عليهالسلام لمّا هاجر من أرض الظلمة إلى الأرض المقدسة ، أعطاه الله العلم والحكمة. فكل من هاجر من وطن الغفلة إلى محل الذكر واليقظة ، وهجر ما نهى الله عنه عوّضه الله علما بلا تعلم ، وأجرى على لسانه ينابيع الحكمة. قال أبو سليمان الداراني رضى الله عنه : إذا اعتقدت النفس على ترك الآثام ، جالت فى الملكوت ، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة ، من غير أن يؤدّي إليها عالم علما. ومصداقه الحديث : «من عمل بما يعلم ، ورثه الله علم ما لم يعلم».
ولمّا أجهد نفسه فى تغيير المنكر نجّاه الله من أذاهم وما لحق بهم ، وكذلك نبيه نوح عليهالسلام ؛ لما دعا قومه إلى الله ، وأجهد نفسه فى نصحهم ، نجاه الله من شرهم ، وجعل النسل من ذريته ، فكان آدم الأصغر. وهذه عادة الله تعالى فى خواصه ، يكثر فروعهم ، ويجعل البركة فى تركتهم. وبالله التوفيق.
ثم ذكر داود وسليمان ـ عليهماالسلام ـ فقال :
(وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا
__________________
(١) من الآية ١٠ من سورة القمر.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
