وفيها ينزل عيسى عليهالسلام ، وقال أبى بن كعب : ما من ماء عذب إلّا وأصله من تحت صخرة بيت المقدس ، وهى أرض خصب ، يعيش فيها الفقير والغنى.
قال ابن إسحاق : خرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق ، وخرج معه لوط وسارة ، فنزل حرّان ، ثم خرج منها إلى مصر ، ثم خرج منها إلى الشام ، فنزل السّبع من أرض فلسطين بزوجه سارة ، بنت عمه هاران الأكبر ، ونزل لوط عليهالسلام بالمؤتفكة ، وبينهما مسيرة يوم وليلة ، وكلاهما من الشام.
(وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً) أي : وهبنا له إسحاق ولدا من صلبه ، وزاد يعقوب ، ولد ولده ، نافلة ؛ لأنه سأل ولدا بقوله : (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (١) فأعطيه ، وأعطى يعقوب نافلة ، زائدا على ما سأل ؛ لأنه أعطى من غير سؤال ، فكأنه تبرعا. قال ابن جزى : واختار بعضهم ـ على هذا ـ الوقف على «إسحاق» لبيان المعنى ، وهذا ضعيف ؛ لأنه معطوف على كل قول. ه. وقيل : (نافِلَةً) يرجع لهما معا ، أي : أعطيناه ولدا وولد ولد ، عطية ، فيكون حالا منهما معا ، قيل : هو مصدر ، كالعاقبة من غير لفظ الفعل ، الذي هو (وَهَبْنا) وقيل : اسم ، (وَكُلًّا) أي : كل واحد من هؤلاء الأربعة ، (جَعَلْنا صالِحِينَ) ؛ بأن وفقناهم لصلاح الظاهر والباطن ، حتى استحقوا الخصوصية. والله تعالى أعلم.
الإشارة : الهجرة سنّة من سنن الأنبياء والأولياء ، فكل من لم يجد فى بلده من يعينه على دينه ، يجب عليه الانتقال إلى بلد يجد فيها ذلك. وكذلك المريد إذا لم يجد قلبه فى محل ؛ لكثرة عوائده وشواغله ، بحيث يشوش عليه قلبه ، فلينتقل إلى بلد تقل فيها العلائق والشواغل ، إن وجد فيها من يحرك معهم فنّه ، كان بادية أو حاضرة. والغالب أن الحاضرة تكثر فيها العوائد والحظوظ والشهوات ، فلا يدخلها المريد حتى يتقوى ويملك نفسه ، يأخذ النصيب من كل شىء ، ولا ينقص من نصيبه شىء ، وقد تقدم هذا مرارا. وبالله التوفيق.
ثم مدحهم بالإمامة والاهتداء ، فقال :
(وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣))
يقول الحق جل جلاله : (وَجَعَلْناهُمْ) أي : إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، (أَئِمَّةً) يقتدى بهم فى أمور الدين ؛ إجابة لدعوته بقوله : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) (٢) أي : فاجعل أئمة ، (يَهْدُونَ) الخلق إلى الحق ، (بِأَمْرِنا)
__________________
(١) الآية ١٠٠ من سورة الصافات.
(٢) كما جاء فى الآية ١٢٤ من سورة البقرة.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
