وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦))
قلت : «إذ قال» : ظرف لآتينا ، أو لرشده.
يقول الحق جل جلاله : (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ) أي : الرشد اللائق به وبأمثاله من كبراء الرسل ، وهو الاهتداء الكامل ، المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحى ، مع الاقتدار على إصلاح الأمة وإرشادها بسياسة النبوة والوحى الإلهى ، (مِنْ قَبْلُ) أي : من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة ، وتقديم ذكرهما ، لما بين التوراة والقرآن من الشبه التام. وقيل : من قبل إنزال القرآن ، أو من قبل استنبائه ، أو من قبل بلوغه ، (وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) أي : بأنه أهل لما آتيناه ، أو عالمين برشده ، وما خصصناه به من الهداية الخاصة. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ) أي : آتيناه ذلك حين قال لأبيه ، أو اذكر وقت قوله لهم : (ما هذِهِ التَّماثِيلُ) أي : الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور والإنسان ، وفيه تجاهل بهم ؛ تحقيرا لها ، مع علمه بتعظيمهم لها ؛ توبيخا لهم على إجلالها مع كونها خشبا وأحجارا لا تضر ولا تنفع ، (الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ) أي : لأجل عبادتها مقيمون ، فلما عجزوا عن الدليل (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) فقلدناهم ، فأبطله عليهالسلام ، على طريقة التوكيد بالقسم ، فقال : (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ) الذين سنّوا لكم هذه السّنّة الباطلة ، (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) : ظاهر بيّن ، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء ، أي : والله لقد كنتم مستقرين فى ضلال عظيم ظاهر ؛ لعدم استناده إلى دليل ، فالتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحقّية فى الجملة ، لا فيما اتضح بطلانه ، سيما فى أمر التوحيد.
(قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِ) أي : بالجد ، (أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) ، فتقول ما تقول على الملاعبة والمزاح. والمعنى : أجاد أنت ، أم لاعب فيما تقول؟ قالوا ذلك ؛ استعظاما منهم لإنكاره ، واستبعادا لكون ما هم عليه ضلال ، وتعجيبا من تضليله إياهم.
ثم أضرب عنهم ؛ مخبرا بأنه جاد فيما قال ، غير لاعب ، بإقامة البرهان على بطلان ما ادعوه فقال : (بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَ) ، لا التماثيل التي صورتم. وقيل : هو إضراب عما بنوا عليه مقالتهم ؛ من اعتقاد كونها أربابا لهم ، كما يفصح عنه قولهم : (نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ) (١) ، كأنه قال : ليس الأمر كذلك ، بل ربكم رب السموات والأرض الذي خلقهن وأنشأهن ، فالضمير للسماوات والأرض ، وصفه تعالى بإيجادهن ، إثر وصفه تعالى بربوبيته لهن ؛ تحقيقا للحق ، وتنبيها على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من
__________________
(١) من الآية ٧١ من سورة الشعراء.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
