(وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) أي : وإن كان الشيء أو العمل مثقال حبة من خردل ، (أَتَيْنا بِها) : أحضرناها وجازينا عليها ، وأنث ضمير المثقال ؛ لإضافته إلى حبة ، (وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) ، إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا ، أو عالمين حافظين ، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه ، قاله ابن عباس ـ رضى الله عنهما.
الإشارة : كان صلىاللهعليهوسلم ينذر الناس ويذكّرهم بالوحى التنزيلى ، وبقي خلفاؤه يذكرون بالوحى الإلهامى ، موافقا للتنزيلى ، ولا يسمع وعظهم ويحضر مجالسهم إلا من سبقت له سابقة العناية ، وأما من انتكبت عنه العناية تنكب مجالسهم ، وتصامم عن وعظهم وتذكيرهم ، ولا يسمع الصمّ الدعاء إذا ما ينذرون ، ولا يندمون إلا حين تنزل بهم الأهوال ، ولا ينفع الندم وقد جف القلم ، وذلك حين توضع موازين الأعمال ، فتثقل أعمال المخلصين ، وتخف أعمال المخلّصين ، ولا توضع الموازين إلا لأهل النفوس الموجودة ، وأما من غاب عن نفسه فى شهود محبوبه ، لفنائه فى شهوده ، وانطوائه فى وجوده ، فلا ينصب له ميزان ؛ إذ لا يشهد لنفسه حسا ولا فعلا ولا تركا ، وإنما الفعل كله للواحد القهار. ويكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، جعلنا الله من خواصهم بمنّه وكرمه. آمين.
ثم شرع فى تفصيل ما أجمل فى قوله : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) ، إلى قوله : (وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) (١) ، فقال :
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠))
يقول الحق جل جلاله : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) ، هذه الأوصاف كلها للتوراة ، فهى فرقان بين الحق والباطل ، وضياء يستضاء به ، ويتوصل به إلى سبيل النجاة ، وذكرا ، أي : شرفا ، أو وعظا وتذكيرا. وتوكيده بالقسم ؛ لإظهار كمال الاعتناء به ، أي : والله لقد آتيناهما وحيا ساطعا وكتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل ، وضياء يستضاء به فى ظلمات الجهل والغواية ، وذكرا ينتفع به الناس ، أو شرفا لمن عمل به ، وتخصيص المتقين بالذكر ؛ لأنهم المستضيئون بأنواره ، المغتنمون لمغانم آثاره ، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع والأحكام ، ودخلت الواو فى الصفات ، كقوله تعالى : (وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا) (٢) ، وتقول : مررت بزيد الكريم والعالم والصالح.
__________________
(١) الآيات : ٧ ـ ٩.
(٢) من الآية ٣٩ من سورة آل عمران.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
