كونهما اثنتين ، باعتبار ما فى تضاعيفهما من الخوارق ، التي كل واحدة منها آية. وقد رأى فرعون من هاتين الآيتين أمورا دواهى ، فإنه روى أنه عليهالسلام ، لما ألقى العصا ، انقلبت ثعبانا أشعر ، فاغرافاه ، بين لحييه ثمانون ذراعا ، وضع لحيه الأسفل على الأرض ، والأعلى على سور القصر ، ثم توجه نحو فرعون ، فهرب وأحدث ، وانهزم الناس مزدحمين ، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه ، فصاح فرعون : يا موسى أنشدك الذي أرسلك إلا أخذته ، فأخذه ، فعاد عصا. وروى أنها ، لما انقلبت حية ارتفعت فى السماء قدر ميل ، ثم انحطت مقبلة نحو فرعون ، وجعلت تقول : يا موسى مرنى بما شئت ، ويقول فرعون : أنشدك .. إلخ. ونزع يده من جيبه ، فإذا هى بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادة. ففى تضاعيف كلّ من الآيتين آيات جمة ، لكنها لما كانت غير مذكورة بالصراحة ، أكدت بقوله تعالى : (كُلَّها) ، كأنه قيل : أريناه آياتنا بجميع مستتبعاتها وتفاصيلها ، قصدا إلى بيان أنه لم يبق له فى ذلك عذر.
وقيل : أريناه آياتنا التسع ، وهو بعيد ؛ لأنها إنما ظهرت على يده عليهالسلام بعد ما غلبت السحرة على مهل ، فى نحو من عشرين سنة ، والكلام هنا قبل المعارضة ، اللهم إلا أن يكون الحق تعالى أخبرنا أنه أراه الآيات التسع كلها ، فأبى عن الإيمان ، ثم رجع إلى إتمام القصة.
وأبعد منه : من عدّ فى الآيات ما جعل لإهلاكهم ، لا لإرشادهم إلى الإيمان ؛ من فلق البحر ، وما ظهر بعد مهلكه من الآيات الظاهرة لبنى إسرائيل ؛ من نتق الجبل والحجر ، وغير ذلك ، وكذلك من عدّ منها الآيات الظاهرة على يد الأنبياء ـ عليهمالسلام ـ ؛ حيث حكاها موسى عليهالسلام لفرعون ، بناء على أن حكايته إياها له فى حكم إظهارها بين يديه ؛ لاستحالة الكذب عليه ، فإنّ حكايته إياها لفرعون مما لم يجر ذكره هنا ، فكل هذا بعيد من سياق النظم الكريم. قال تعالى : (فَكَذَّبَ) فرعون موسى ، (وَأَبى) الإيمان والطاعة ، مع ما شاهد على يده من الشواهد الناطقة بصدقه. جحودا وعنادا ؛ لعتوه واستكباره ، وقيل : كذّب بالآيات جميعا ، وأبى أن يقبل شيئا منها.
(قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى) ، هذا استئناف مبين لكيفية تكذيبه وإبائه. والمجيء إما على حقيقته ، أو بمعنى الإقبال على الأمر والتصدي له ، أي : أجئتنا من مكانك الذي كنت فيه ترعى الغنم ؛ لتخرجنا من أرضنا؟ أو : أقبلت إلينا ؛ لتخرجنا من مصر ؛ بما أظهرت لنا من السحر ، فإن ذلك مما لا يصدر عن عاقل ؛ لكونه من باب محاولة المحال ، وإنما قاله ؛ تحريضا لقومه على مقت موسى والبعد عنه ، بإظهار أن مراده عليهالسلام إخراج القبط من وطنهم ، وحيازة أموالهم ، وإهلاكهم بالكلية ، حتى لا يميل أحد إليه ، (والله غالب على أمره). وسمى ما أظهره عليهالسلام من المعجزة الباهرة سحرا ، ثم ادعى أنه يعارضه ، حيث قال : (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ) أي : وإذا كان الأمر كذلك ، فوالله لنأتينك بسحر مثل سحرك ، (فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً) أي : وعدا (لا نُخْلِفُهُ) أي : لا نخلف ذلك الوعد ، ولا نجاوزه (نَحْنُ وَلا أَنْتَ) ، بل نجتمع فيه وقت ذلك الموعد،
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
