إذ قالوا للنّبى صلىاللهعليهوسلم : لا ندخل فى أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب : لا نعشّر ، ولا نحشّر ، ولا نحنى فى صلاتنا ، وكلّ ربا لنا فهو لنا ، وكلّ ربا علينا فهو موضوع ، وأن تمتّعنا باللات سنة ، وأن تحّرم وادينا كما حرمت مكة ، فإذا قالت العرب : لم فعلت؟ فقل : الله أمرنى بذلك. فأبى عليهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم (١) ، وخّيب سعيهم. فالآية ، على هذا ، مدنية. وقيل : فى قريش ، قالوا للنبى صلىاللهعليهوسلم : لا نمكنك من استلام الحجر ، حتى تلمّ بآلهتنا ، وتمسّها بيدك (٢). وقيل : قالوا : اقبل بعض أمرنا ، نقبل بعض أمرك ، والآية ، حينئذ ، مكية كجميع السورة.
(وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً) أي : لو فعلت ما أرادوا منك لصرت لهم وليا وحبيبا ، ولخرجت من ولايتي ، (وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ) على ما أنت عليه من الحق ؛ بعصمتنا لك ، (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) من الركون ، الذي هو أدنى ميل ، أي : لو لا أن عصمناك ، لقاربت أن تميل إليهم ؛ لقوة خدعهم ، وشدة احتيالهم. لكن عصمتنا منعتك من المقاربة. وهو صريح فى أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما همّ بإجابتهم ، مع قوة الداعي إليها ، ولا قارب ذلك. وهو دليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه. قاله البيضاوي. وفيه رد على ابن عطية ، حيث قال : قيل : إنه همّ بموافقتهم ، لكن كان ذلك خطرة ، والصواب : عدم ذلك ؛ لأن التثبيت والعصمة مانع من ذلك.
وقد أجاد القشيري فى ذلك ، ونصه : ضربنا عليك سرادقات العصمة ، وآويناك فى كنف الرعاية ، وحفظناك عن خطر اتباع هواك ، فالزّلل منك محال ، والافتراء فى نعتك غير موهوم ، ولو جنحت لحظة إلى جانب الخلاف لتضاعفت عليك شدائد البلاء ؛ لكمال قدرك وعلوّ شأنك ؛ فإنّ كل من هو أعلى درجة فذنبه ـ لو حصل ـ أشدّ تأثيرا. (وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ ...) الآية : لو وكلناك ونفسك ، ورفعنا عنك ظلّ العصمة ، لقاربت الإمام بشىء مما لا يجوز من مخالفة أمرنا ، ولكنّا أفردناك بالحفظ ، بما لا تتقاصر عنك آثاره ، ولا تغرب عن ساحتك أنواره. (إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ) ، هبوط الأكابر على قدر صعودهم. ه.
(إِذاً) أي : لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون (لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ) عذاب (الْحَياةِ) ، (وَضِعْفَ) عذاب (الْمَماتِ) ، أي : مثلى ما يعذّب غيرك فى الدنيا والآخرة ؛ لأن خطأ الخطير أخطر. وكأن أصل الكلام : عذابا ضعفا فى الحياة ، وعذابا ضعفا فى الممات ، أي : مضاعفا ، ثم حذف الموصوف ، وأقيمت الصفة مقامه ، ثم أضيفت
__________________
(١) قال الحافظ ابن حجر فى الكافي الشاف : «لم أجده ، وذكره الثعلبي عن ابن عباس من غير سند». وذكره الواحدي فى الأسباب (ص ٢٩٧) بدون سند أيضا.
(٢) أخرجه الطبري (١٥ / ١٣٠) عن سعيد بن جبير ، بسند ضعيف.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
