أما الأنبياء فما يشاءون إلّا أن يشاء الله ، ولا يريدون إلا ما أراد. ولا يبعد أن يكون نفخهم كنفخ الله عزّ وعلا ، أي كناية عن مجرّد الإرادة التكوينية التي أعطاهم الله إياها من فضله ، إذ قال : عبدي أطعني تكن مثلي. تقول للشيء : كن ، فيكون.
وحاصل المعنى أن قوله : فأنفخ فيه ، يعني : فأريد كونه طيرا ، فيصير طيرا بإذن الله ومشيئته ، ويطير كغيره من الطيور .. أما التعليق : بإذن الله ، فلينبّه إلى أن بثّ الحياة ليس من مقدوري وإنما هو فعله تعالى. وهو ردّ على من زعم أنه عليهالسلام هو الله. ولذا بيّن أنه لا يقدر على إيجاد ذي روح ، فكيف يقدر على إيجاد الكون وما فيه؟ فالقادر على ذلك هو الله فعلا ، لا المخلوق الضعيف المحتاج الذي هو كلّ على مولاه في معاجزه وجميع أمور.
وقد قيل إن الطير الذي صنعه كان على هيئة الخفّاش ، وقال عليهالسلام : (وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ) يمكن أن يكون الظرف راجعا إلى الثلاثة وقيدا لها. ويحتمل قويا أن يكون للإحياء لأنه أهمّ وأصعب من أخويه وأدلّ في كونه آية وإعجازا.
ثم ذكر عليهالسلام من آيات نبوّته قوله : (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) أي : وأخبركم بأشياء غيبيّة علمها مختص بالبارئ جلّ شأنه وتقدست أسماؤه ، واختصّ من اصطفاه من خلقه واجتباه ، بتعليمه شيئا من الغيب كالرّسل عليهم الصلاة والسلام. ولذا كان عيسى عليهالسلام إذا لاقى رجلا يقول له : أكلت كذا ، وذخرت كذا ، وخبّأت كذا وكذا ..
وقيل إن الذي أحياه من الموتى ، هو سام بن نوح ، ففي العياشي مرفوعا أن أصحاب عيسى (ع) سألوه أن يحيي لهم ميتا ، فأتى بهم إلى قبر سام بن نوح فقال : قم بإذن الله يا سام بن نوح .. فانشقّ القبر. ثم أعاد الكلام فتحرّك. ثم أعاد ، فخرج سام بن نوح ، فقال له عيسى :
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
