٤٤ ـ (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ..) يعني أن قصة امرأة عمران ومريم وزكريا وبشرى الملائكة لهم بالغيوب التي لا تعرف إلّا بالوحي ، كل ذلك من أخبار الغيب التي نقصها عليك يا محمد ، لأن طريق العلم والعرفان بحال الأمم السابقة وكيفية سيرهم مع أنبيائهم لا يعرف إلّا بقراءة تاريخ أحوالهم في الكتب والصحف التاريخية التي يدّون فيها ذلك ، أو عن طريق الوحي السماوي والإلهام. ولما كان الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أميا لا يقرأ ولا يكتب فقد كان باب العلم موصدا لديه من حيث القراءة والاطلاع وانحصر علمه بالوحي الالهي وباطلاعه على أمور غيبية. ولذلك قال سبحانه وتعالى : (نُوحِيهِ إِلَيْكَ) أي نلهمك إياه ونلقيه إليك عن طريق جبرائيل الأمين عليهالسلام ، لتكون معرفتك به معجزة فيها تبصرة وعبرة. فالنبي (ص) لم يشاهد هذه القصص ولا عاين تلك الوقائع في عصر صدورها ، ولا قرأها في كتب ، ولا استمع إليها من مؤرخ ، فليست إذا إلّا أنباء غيبية معجزة ، لأن البشر عاجزون عن الإتيان بمثلها ، ومن يخبر بها نعلم أنه عرفها عن طريق الوحي الذي ينحصر في النبي. (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ) أي : يا محمد لم تكن عند سدنة المحراب يوم ولادة مريم والاختلاف على كفالتها ، ولم تشاهدهم وهم يرمون أقلامهم في الماء ليجروا القرعة (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) ليعرفوا من الذي يقوم بأمور مريم عليهاالسلام من جميع الجهات (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) أي حين كانوا يختلفون في أمر كفالتها ويتشاجرون فيما بينهم ، الى أن قطعت القرعة باب النزاع كما هو المتعارف عنها في الموارد طراّ.
* * *
(إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
