١٤٥ ـ (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ ...) الدّرك لها معان. منها : أقصى قعر الشيء ، إذ يقال : بلغ الغوّاص درك البحر. ويقال : الدركة : الدرجة إذا اعتبر النزول لا الصعود ، ويقابلها الدرجة للصعود لا للنزول. وقيل : هو الطبق الذي في قعر جهنم ، والنار سبع دركات كما أن للجّنة درجات ـ فهو سبحانه ينذر المنافقين بما أعدّ لهم من العذاب في تلك المنزلة الشديدة العذاب حيث يكون المنافق في أسفل طبقة منها لقبح عمله. فقد روي عن ابن مسعود وغيره ـ كما في المجمع ـ : أن المنافقين في توابيت من حديد مغلقة عليهم في النار. ويجوز أن يكون ذلك إخبارا عن بلوغ الغاية في عقاب المنافقين (وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) ولا تجد ـ يا محمد ـ ناصرا لهؤلاء المنافقين ولا معينا ينقذهم من عذاب الله إذ جعلهم في أسفل طبقة من النار.
ثم استثنى سبحانه بقوله :
١٤٦ ـ (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ ...) تابوا من نفاقهم وأقلعوا عن ذنوبهم بطريقة تكشف عن حقيقة حالهم وتدل على أنهم متأثرون بمظاهر التوبة قولا وعملا ، ونادمون على ما فرط منهم فيما مضى ، وجازمون على رفع اليدين فيما يأتي عن نفاق الماضي ومصاحبة الكفرة ، والمضيّ مع ركب الدين ومسيرة المؤمنين. وهؤلاء هم المستثنون من المنافقين ، استثنوا لأنهم تابوا فعلا ، وأصلحوا سيرتهم وجميع ما فسد من حالهم أثناء النفاق والذبذبة ، وأتوا بما أمر الشارع وحسّن من جميع أفعال الجوارح والقلوب ، واعتصموا بالله تعالى وتمسّكوا بحبله ولا ذوا إليه ووثقوا به (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) فصاروا لا يبتغون في أعمالهم وأقوالهم إلّاه سبحانه وتعالى (فَأُولئِكَ) يعدّون حينئذ (مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ويحسبون منهم مع هذه الشرائط ، ويكونون معهم في الدارين (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) أي يعطيهم ـ يوم القيامة ـ ثوابا كثيرا كثيرا نوّه الله تعالى بعظمته.
وفي هذه الشريفة المباركة بشارة للمؤمنين بأجمعهم : للتائبين
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
