والمنافق في الظاهر ، لا يفعل ذلك سبحانه (حَتَّى) تصدر أوامره ونواهيه ، بلطفه وحكمته ، ونشر شريعته بمختلف سياساتها من أجل سعادة البشر ، وإكمال الدين وإتمام النعمة ، وإقامة النظام الصالح للمجتمع ف (يَمِيزَ الْخَبِيثَ) الذي يظهر بالتمرّد والجموح في الغي (مِنَ الطَّيِّبِ) الدائب على طاعة الله واتّباع الحق ومخالفة الهوى والنفس .. فهذا هو طريق التمييز بين المسلم المؤمن وبين المتظاهر بالإسلام مع إبطان النفاق. كما أنه سبحانه كان يمكن أن يبيّن لرسوله بالإخبار عن أحوال المنافقين كما جرى ذلك مرارا ، ولكن كشف حالهم يتم جهرا بوضع التكاليف الشاقة الصعبة كبذل النفس والمال ، ليظهر ما يضمرون (وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أي على ما جرت عليه عادة الله تعالى وسنّته في خلقه بمقتضى حكمته البالغة. فما كان ليظهر على غيبه أحدا منكم فتعلمون ما في القلوب وتكتشفون إيمان هذا أو نفاق ذاك ، لأن ذلك المقام مقام رفيع خص به ذاته المقدسة ومن له الأهلية لذلك ، حيث قال سبحانه : (إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) ، وما أنتم له بأهل إذ قد يخلّ ذلك بجامعتكم الإسلامية ويحدث الفساد في شؤون الإسلام والمسلمين. نعم ، هذا يليق بمقام الرسالة ـ والله أعلم حيث يجعل رسالته ـ ولذلك قال في تمام الآية : (اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ) أي أنه يختار لهذا المقام السامي من أراد ومن كانت له الأهلية ، وعلى حسب المصلحة الكاملة والحكمة التامة. ولا يخفى أن المتبادر إلى الذهن من هذه الكلمة : ـ من رسله ـ أن لله رسلا موجودين مجهّزين قد اجتباهم للرسالة ، يختار منهم لكل زمان من يوافقه ويناسبه ، وقد اختار موسى عليهالسلام في زمن السحر والشعبذة وأعطاه العصا التي كانت تلقف ما يأفكون وتبطل ما يقومون به من سحر عظيم ، ثم اختار عيسى عليهالسلام لزمن الطب والنبوغ فيه وجعله يشفي الأبرص والأكمه ويحيي الموتى بإذنه ، ويقوم بما يعجز عنه أطبّاء عصره. ثم كان دور الفصاحة والبيان والإعجاز فاختار له خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ، وأنزل عليه
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
