رجوعهم إلى المدينة على تلك الحال المفجعة وهم قلة بين جريح ومحزون ضعيف متعب من وهلة الفرار وخوف الهلاك ، نزل جبرائيل عليهالسلام وقال : يا رسول الله إن الله تعالى يأمرك أن تخرج في أثر القوم ولا يخرج معك إلّا من به جراحة. فأمر (ص) بخروج الجرحى ، فأقبلوا يضمّدون جراحاتهم ويداوونها ثم خرجوا على ما بهم من ألم الجراح وأوجاعها. وهؤلاء هم الذين مدحهم الله سبحانه وأثنى عليهم أحسن ثناء ، جزاهم الله عن الإسلام وأهله أفضل الجزاء ، هم الذين استجابوا لداعي الله تعالى ودعوة رسوله إلى مجاهدة الكفار (مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ) وآلمتهم الجراح ، وأتوا مطيعين لما ندب إليه الله ورسوله يوم أحد وهم على تلك الحال ، فإن الله تعالى يقول : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) بطاعة الرسول وسماع كلمته وإجابة دعوته (وَاتَّقَوْا) معاصي الله ومعصية الرسول فيما أمرهم به ، ونشطوا للجهاد على ما بهم من قرح لهم (أَجْرٌ عَظِيمٌ) جزاء كبير يبلغ حدّ العظمة. والجملة مبتدأ مؤخّر لقوله تعالى :
(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا). وقد تقدّم الخبر للاهتمام بشأن إحسانهم فيما فعلوا حين أريد منهم الإطاعة في مثل تلك الحال.
١٧٣ ـ (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ ..) المراد بالموصول هنا : هم النبيّ (ص) والأنصار وحدهم بقرينة الحال ؛ وبقرينة كلمة : فاخشوهم التي ستجيء. والناس الذين قالوا : هو نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم مكة معتمرا وأرجعه أبو سفيان إلى المدينة ليصرف المسلمين عن عزمهم إلى بدر الصغرى طلبا لحرب أبي سفيان وجيشه من المشركين حيث كان الموعد والملتقى في نهاية سنة من معركة أحد. فلما قارب المدينة وافى الرسول وأنصاره بحمراء الأسد مجهّزين مستعدّين لطلب أبي سفيان وأتباعه حسب الميعاد الذي ضربه أبو سفيان نفسه ، فقال نعيم المذكور : (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) يعني أن أبا سفيان وأعوانه من أهل الشرك والضلال قد جيّشوا الجيوش وأتوا بجمع عظيم بحيث لا ينجو منكم إلا من فرّ شريدا (فَاخْشَوْهُمْ) أي احذروا منهم واتّقوهم وتجنّبوا شرّهم.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
