ليسوا بميّتين بمعنى فقدان إدراكهم واحساساتهم ، ولا هم كالجماد المتحجّر ولا كالأجسام التي يفنيها البلى .. والخطاب هنا للنبيّ الأكرم (ص) صورة ، لكنه موجه للناس طرّا ترغيبا في الجهاد وتشويقا إلى ما عند الله من نعيم دائم للشهداء في سبيله لإحقاق الحق وإبطال الباطل ورفع كلمة الله عزّ وعلا .. فالشهداء بالحقيقة ليسوا أمواتا (بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) أي أنهم قد رجعوا إلى حال الحياة بعد قتلهم ، وهم يرزقون من الطيّبات ويتنعّمون بلذائذ الخلد .. أما قوله تعالى : عند ربّهم ، فإنه لا يعني قرب المسافة والمكان لأن هذين من لوازم الأجسام ، بل المراد أنهم مقرّبون تشريفا لهم وتكريما ، وأنهم في درجة عالية من الجنان لا تحصل لغيرهم ، فهم يتمتّعون بأنعم الجنة ، ويحيون سعداء في مقامهم في عالم القرب الحميد الذي يغبطون عليه من سائر أهل الجنة.
١٧٠ ـ (فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ ...) فرحين منصوبة على الحال ، أي حال كون أولئك الشهداء مسرورين بجزيل نعم الله عليهم ، وبما آتاهم ، أي : أعطاهم (مِنْ فَضْلِهِ) خيره وعطائه بعد أن منّ عليهم بشرف الشهادة والفوز بالجنّة والحياة الأبدية السعيدة والقرب من دار كرامة الله ـ فهنيئا لهم ـ وهم (يَسْتَبْشِرُونَ) يبشّر بعضهم بعضا (بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ) أي بقدوم إخوانهم من الشهداء الذين لا يزالون في دار الدنيا وقد كتبت لهم الشهادة وسيكونون على منهجهم الإيماني الراسخ ، وسيقدمون على الشهادة في سبيل الله (مِنْ خَلْفِهِمْ) ويأتون وراءهم في زمر الشهداء السعداء ، ويتشرفون بكرامة الله كما تشريف هؤلاء الأبرار ، ثم يقولون في تباشرهم : (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) لأنهم سيصيرون إلى السعادة التي ساروا هم إليها ، فلا خوف على مصيرهم الأخروي بعد شدائد الدنيا وظلمها ونوازلها ، ولا يلحق بهم حزن لفراق الدنيا حين يرون منازلهم في دار الكرامة بعد أن جاهدوا بين يدي نبيّهم (ص) وقتلوا في سبيل الحق والهدى غير مبالين أوقعوا على الموت أم وقع الموت
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
