بأس بالقول أنها منصوبة المحل عطفا على المحسنين ، لأن تبعيد المسافة بينها وبين المعطوف عليه ولا وجه فيه ، بينما الوجه الحسن يكون في تقريبها مهما أمكن.
فهؤلاء إذا ارتكبوا فاحشة ، أو إذا ظلموا أنفسهم (ذَكَرُوا اللهَ) تذكروه بعد النسيان. فإن من شأن العباد ، حين ثوران شهواتهم وهيجانها ، أن تعرض لهم الغفلة وينسون ربهم ويشتغلون بالذنب عن كل شيء ، ولا يتوجهون الى أن ما يفعلونه ذنبا. فإذا فرغوا من العمل وعادوا الى حالة الاعتدال والاستقامة الطبيعية ، انتبهوا الى أنهم فعلوا قبيحا وتجاسروا بعملهم على مولاهم وخالقهم ، وتعدوا حدوده. فلما ذكروا ذلك انزجروا عن المعصية وندموا على عملهم (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) أي طلبوا من ربهم غفران معصيتهم وما صدر منهم (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) أي لا يتجاوز عن السيئات ويمحوها إلا هو عزوجل. وهذه هي الغاية في ترغيب العاصين ، والنهاية في تحسين الظن للمذنبين ، فإنه جل وعلا يلفت أنظارهم الى أنه الملجأ والملاذ لمجترحي السيئات الذين يتوبون (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا) أي لم يقيموا عليه ويداوموه (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) بأنهم عاصون مقصرون ، وهم مقرون ومعترفون بالذنب وبالتجاوز عن حدود ما شرع الله. وبذلك يتميزون عمن ذكرهم الله تعالى من فاعلي القبائح محادة وعنادا ، فإنهم بعيدون عن التوبة والاستغفار لأنهم محسوبون في زمرة الذين سلب عنهم التوفيق وسعادة العاقبة.
١٣٦ ـ (أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ ..) أولئك إشارة للمتذكرين الله بعد فعل الفاحشة وظلم أنفسهم المستغفرين لذنوبهم ، فجزاء تذكّرهم وتوبتهم مغفرة من الله وتجاوز عن ذنوبهم وعفو (مِنْ رَبِّهِمْ) عما فعلوه في حال الغفلة. وهذا تفضل من الله عليهم وإحسان لم ينالوه باستحقاق ولكنه لهم منه عز وعلا فضل يمنحهم إياه هو (وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) عطفها على المغفرة التي منحهم إياها. وجنات : جمع جنة ،
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
