زمرة العاصين والمعاندين (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) يعني ومن لم يذقه فإنه من أصحابي والتابعين لي إلى قتال الكافرين.
ولو سئل : كيف قال في الماء : ومن لم يطعمه ، والماء مشروب لا مأكول ، والطّعم يستعمل في ما هو مأكول؟ .. فيجاب : طعم وأطعم يقع على كل ما يساغ حتى الماء ، ويستعمل في ذوق الشيء. فمن لم يطعمه يعني : من لم يذقه. والفرق بين الذوق والشرب أن الأول آكد في عدم الشرب كما لا يخفى على أهل الفكر السليم ، فالذوق قد يتحصّل من الشيء القليل النزر الذي يناله الإنسان بطرف لسانه. وفي الحديث : إني لا أمتنع من طعام طعم منه السّنّور. أي ذاقه. وذاقه : عرف طعمه حلوا أو مرا ، أي ما تميّزه الذائقة ..
والحاصل أن طالوت قال لهم ذلك مشترطا (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) مستثنيا بذلك الغرفة الواحدة ، ليعلم مبلغ طاعتهم لأوامر الابتلاء. وغرفة قرئت بضمّ الغين ، بمعنى المغروف ، وقرئت بالفتح على أنها مصدر بمعنى الرّخصة في القليل دون الكثير (فَشَرِبُوا مِنْهُ) أي كرعوا وعبّوا بأفواههم ومدّوا اليه أعناقهم وجرعوا بأفواههم ما شاءت لهم شدة العطش (إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) كفّوا أنفسهم والتزموا بأمر الله ولم يشربوا منه إلّا بمقدار الرخصة. وفي تفسير القمي عن الصادق عليهالسلام : أن الذين لم يشربوا ولم يغترفوا كانوا ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا. ويستفاد من الرواية أن حد القليل في الآيات أو الروايات هو هذا المقدار ، إلّا ان تكون قرينة صادفة. وروي أن من اقتصر على الغرفة روي ، ومن استكثر غلب عطشه وعجز عن المضيّ واسودّت شفته (فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) أي عند ما قطع طالوت النهر هو وجنده الذين شربوا كما أمرهم أو لم يشربوا البتة ، لأنهم كانوا مؤمنين. وقيل إن بعضهم عصى ، وأن الذين آمنوا هم القليلون من جنده الذين لم يشربوا. وحينئذ (قالُوا) أي الذين اغترفوا قال بعضهم لبعض. وهذا هو الظاهر لأنهم عصوا في أول الأمر والمناسب لحالهم هو أن يخافوا من كثرة جند العدو. وإلّا فالمؤمنون
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
