الدلائل. فالأول هو الأدلّة الثابتة في الشرع ، والثاني هو الأدلّة العقلية ، فالوعيد يعمّ الجميع. وقيل : الأول ما دلّ على نبوّته ، والثاني ما يؤدّيه إلى الأمّة من الأحكام وسائر الشرائع. ولعله أريد بهما شيء واحد والاختلاف في اللفظ جاء تفنّنا كما هو الموسوم في الألسن ، والمشاهد في المقالات والخطب من أهل الفصاحة والكلام ، والقرآن قد نزل على لسان قومه (مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ) أي بعد إيضاحه لهم إتماما للحجة (فِي الْكِتابِ) اللام للجنس ، فيشمل الكتب السماوية ، أو يحتمل أن يكون المراد بقوله : (ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى) ، في الكتب المتقدّمة ، ويكون المراد بالكتاب هو القرآن فتكون اللام للعهد (أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) أي يبعدهم الله عن رحمته وغفرانه ، فإن اللّعن من الله هو الإبعاد من الرحمة وإيجاب العقوبة ، ومن غيره ممّن يتأتّى منه اللعن عليهم ويتأهّل لأن يلعن. من الملائكة والثّقلين : الإنس والجن ، يكون معنى اللعن : الدّعاء عليهم باللعن.
١٦٠ ـ (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) ... أي أقلعوا عن كتمان ما أنزل الله ، وعن المعاصي (وَأَصْلَحُوا) أي صحّحوا ما أفسدوا ، بأن أظهروا أنّ هذا الذي يدّعى أنّه هو الذي بشّر موسى وعيسى (ع) بظهوره في آخر الزمان ، وهو صادق في دعواه ومصدّق بشهادة التوراة والإنجيل ، وأن كتابه صدق ، ونحن نؤمن به وبكتابه فإذا أعلنوا هذا واستنّوا بسنّته واتّبعوا شريعته وساروا على منهاجه ، وتركوا ما كانوا عليه ، فهذا توبتهم وإصلاح ما أفسدوا بهذه الكيفية من التدارك (وَبَيَّنُوا) أي أوضحوا ما بيّنّاه. وهذه الجملة في الواقع بيان لما قبلها من قوله : أصلحوا ، كما أن جملة : وأصلحوا بيان لتوبتهم في الجملة ، لأن التوبة قائمة بأمرين : أحدهما الندم على ما وقع وصدر ، والثاني العزم على عدم الإتيان بما هو نادم عليه من العصيان ، وإصلاح مفاسد ما صدر عنه بما هو المقدور .. فلو عملوا بما قلناه لأنه ضدّ ما عرّفوا به النّبي (ص) في أول دعوته وبعثته إذ أنكروه
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
