تيمية : قال أحمد بن حنبل رحمهالله : منه بدا أى هو المتكلم به ، فإن الذين قالوا إنه مخلوق قالوا خلقه فى غيره فبدأ من ذلك المخلوق فقال السلف : «منه بدا» أى هو المتكلم به لم يخلقه فى غيره فيكون كلاما لذلك المحل الّذي خلقه فيه (١) فإن الله تعالى إذا خلق صفة من الصفات فى محل كانت الصفة صفة لذلك المحل ولم تكن صفة لرب العالمين ، فإذا خلق طعما أو لونا فى محل كان ذلك المحل هو المتحرك المتلون به ، وكذلك إذا خلق حياة أو إرادة أو قدرة أو علما أو كلاما فى محل كان ذلك المحل هو المريد ، القادر ، العالم المتكلم بذلك الكلام ، ولم يكن ذلك المعنى المخلوق فى ذلك المحل صفة لرب العالمين ، وإنما يتصف الرب تعالى بما يقوم به من الصفات ، لا بما يخلقه فى غيره من المخلوقات ، فهو الحى ، العليم ، القدير ، السميع ، البصير ، الرحيم ، المتكلم بالقرآن وغيره من الكلام ، بحياته وعلمه وقدرته وكلامه القائم به لا بما يخلقه فى غيره من هذه المعانى (٢).
ويقول أيضا : وليس معنى قول السلف والأئمة : إنه منه خرج ومنه بدأ أنه فارق ذاته وحل بغيره فإن كلام المخلوق إذا تكلم به لا يفارق ذاته ويحل بغيره فكيف يكون كلام الله؟ قال تعالى : (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) (٣) فقد أخبر أن الكلمة تخرج من أفواههم ، ومع هذا فلم تفارق ذاتهم.
وأيضا : فالصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره ، لا صفة الخالق ولا صفة المخلوق ... ولكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية فإنهم زعموا أن القرآن خلقه الله فى غيره فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الّذي خلق فيه لا من الله ، كما يقولون : «كلامه لموسى خرج من الشجرة» (٤) فبين السلف والأئمة أن
__________________
(١) انظر : مزيدا من التوضيح لمقولة السلف هذه فى شرح العقيدة الطحاوية ص : ١٨١ ، ١٨٢ ، ١٩٤ ـ ١٩٥.
(٢) مجموع الفتاوى : ١٢ / ٤٠ ـ ٤١.
وانظر : ١٢ / ١٦٤ ، ٥٢٩ ، ٥٦٠.
(٣) سورة الكهف / ٥.
(٤) انظر : فى هذا أيضا شرح العقيدة الطحاوية ص : ١٨٦ ـ ١٨٧.
![المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة [ ج ١ ] المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3696_almasael-walrasail-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
