قال ابن القيم : سبب اختلاف العلماء فى معنى الفطرة فى هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليس بقضاء الله بل مما ابتدأ الناس إحداثه ، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام ولا حاجة لذلك. لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام ، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية ، لأن قوله : «فأبواه يهودانه» إلخ. محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى ومن ثم احتج عليهم مالك (١) بقوله فى آخر الحديث : الله أعلم بما كانوا عاملين (٢).
وقال ابن حجر : ... فقال مالك : احتج عليهم بآخره «الله أعلم بما كانوا عاملين».
ووجه ذلك أن أهل القدر استدلوا على أن الله فطر العباد على الإسلام وأنه لا يضل أحدا وإنما يضل الكافر أبواه. فأشار مالك إلى الرد عليهم بقوله : «الله أعلم» فهو دال على أنه يعلم بما يصيرون إليه بعد إيجادهم على الفطرة ، فهو دليل على تقدم العلم الّذي ينكره غلاتهم ، ومن ثم قال الشافعى : أهل القدر إن أثبتوا العلم خصموا (٣).
__________________
(١) أخرجه أبو داود عن عبد الله بن وهب قال : سمعت مالكا قيل له : إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث قال مالك : احتج عليهم بآخره ، قالوا أرأيت من يموت وهو صغير قال «الله أعلم بما كانوا عاملين». سنن أبى داود : ٥ / ٨٩.
قلت : يشير بذلك إلى رواية همام وغيره عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتجون البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها». قالوا : يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال : «الله أعلم بما كانوا عاملين». أخرجه البخارى : ١١ / ٤٩٣ ، ومسلم : ٤ / ٢٠٤٨.
(٢) انظر : فتح البارى : ٣ / ٢٥٠.
(٣) فتح البارى : ٣ / ٢٤٧.
![المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة [ ج ١ ] المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3696_almasael-walrasail-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
