الملوك والعظماء ـ بعد آل البرمك ـ فعل فعله في العطاء. ومن سعادته أنّه عاد أخوه الأوحد بخلاط ، فتماثل ودخل الحمّام ، فأراد الأشرف الرجوع إلى حرّان ، فقال له طبيب الأوحد : اصبر ، فإنّ الأوحد ميّت. فأقام ليلة ومات الأوحد ، فاستولى على مملكة خلاط جميعها.
قلت : إلّا أنّه كان منهمكا في الخمر والملاهي. وكان مليح الشكل ، حلو الشمائل ، وافر الشجاعة ، يقال : إنّه لم تكسر له راية قطّ. وكان يحبّ الفقراء والصالحين ، ويتواضع لهم ، ويزورهم ويصلهم ، ويجيز الشعراء. وكان في رمضان لا يغلق باب القلعة ، ويخرج منها صحون الحلواء إلى أماكن الفقراء. وكان ذكيّا ، فطنا ، يشارك في الصنائع ، ومحاسنه كثيرة ، الله يسامحه.
قال أبو المظفّر (١) : وكان يحضر الملك الأشرف مجالسي بخلاط وحرّان ودمشق ، وكان عفيفا. ولمّا كنت عنده بخلاط قال لي : والله ما مددت عيني إلى حريم أحد لا ذكر ولا أنثى. ولقد جاءتني عجوز من عند بيت شاه أرمن صاحب خلاط بورقة ، فذكرت أنّ الحاجب عليّا (٢) قد أخذ ضيعتها ، فكتبت بإطلاقها ، فقالت العجوز : هي تسأل الحضور بين يديك ، فعندها سرّ ، فقلت : بسم الله ، فقامت وغابت ساعة ثم جاءت بها ، فإذا هي امرأة ما رأيت أحسن من قدّها ، ولا أظرف من شكلها ، كأنّ الشمس تحت نقابها ، فخدمت ، ووقفت ، فقمت لها ، وقلت : أنت في هذا البلد وما أعلم بك؟ فسفرت عن وجه أضاءت منه المنظرة ، فقلت : استتري ، فقالت : مات أبي صاحب هذه المدينة ، واستولى بكتمر على البلاد ، وكان لي ضيعة أعيش منها أخذها الحاجب عليّ ، وما أعيش إلّا من عمل النّقش وأنا في دور الكراء. فبكيت وأمرت لها بقماش ، وأن يصلح دار لسكناها ، وقلت : بسم الله. فقالت العجوز : يا خوند ما جاءت إلى خدمتك إلّا حتى تحظى بك اللّيلة. فساعة سمعت كلامها ، أوقع الله في قلبي تغيّر الزمان ، وأن يملك خلاط غيري وتحتاج بنتي إلى أن تقعد مثل هذه القعدة فقلت : معاذ الله ، والله ما
__________________
(١) في مرآة الزمان : ٨ / ٧١١ ، ٧١٢.
(٢) في مرآة الزمان : ٨ / ٧١٤.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٤٦ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3640_tarikh-alislam-46%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
