قال الحاجب أبو طالب : وبرز توقيع آخر منه إلى ابن يونس : «قد تكرر تقدّمنا إليك ممّا افترضه الله علينا ، ويلزمنا القيام به ، كيف يهمل حال الناس حتّى تمّ عليهم ما قد بيّن في باطنها ، فتنصف الرجل ، وتقابل العامل إن لم يفلج بحجّة شرعية».
وقال القاضي ابن واصل (١) : كان الناصر شهما ، شجاعا ، ذا فكرة صائبة وعقل رصين ، ومكر ودهاء ، وكانت هيبته عظيمة جدّا ، وله أصحاب أخبار في العراق وسائر الأطراف ، يطالعونه بجزئيات الأمور (٢) ، حتّى ذكر أنّ رجلا ببغداد عمل دعوة ، وغسّل يده قبل أضيافه ، فطالع صاحب الخبر الناصر بذلك. فكتب في جواب ذلك : «سوء أدب من صاحب الدّار ، وفضول من كاتب المطالعة».
قال (٣) : وكان مع ذلك رديء السّيرة في الرعية ، مائلا إلى الظّلم والعسف ، فخربت في أيامه العراق ، وتفرّق أهلها في البلاد ، وأخذ أموالهم وأملاكهم ، وكان يفعل أفعالا متضادّة ، إلى أن قال (٤) : وكان يتشيّع ، ويميل إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه ، إلى أن قال : وبلغني أنّ شخصا كان يرى صحّة خلافة يزيد ، فأحضره الخليفة ليعاقبه ، فقيل له : أتقول بصحّة خلافة يزيد؟ فقال : أنا أقول : إن الإمام لا ينعزل بارتكاب الفسق ، فأعرض الناصر عنه ، وأمر بإطلاقه ، وخاف المحاققة.
قال (٥) : وسئل ابن الجوزيّ ـ والخليفة يسمع ـ : من أفضل الناس بعد رسول الله صلىاللهعليهوسلم؟ فقال : أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته. وهذا جواب محتمل لأبي بكر وعليّ رضياللهعنهما.
وكتب إلى الناصر خادم له اسمه يمن ورقة فيها يعتب ، فوقع فيها : «بمن يمنّ يمن ، ثمن يمن ثمن» (٦).
__________________
(١) في «مفرج الكروب» : ٤ / ١٦٣ بتصرف.
(٢) «وكلياتها» كما في «مفرج الكروب».
(٣) في «مفرج الكروب» : ٤ / ١٦٣.
(٤) في «مفرج الكروب» : ٤ / ١٦٦.
(٥) في «مفرج الكروب» : ٤ / ١٦٦ ـ ١٦٧.
(٦) أثبت محقق مفرج الكروب العبارة : «بمن يمنّ يمن [؟] ثمن يمن ثمن ثمن» وقد بدا فيها الاضطراب ، وهي غير منقوطة في الأساس. ووردت مصحّحة في : الوافي بالوفيات ٦ / ٣١٥.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٤٥ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3637_tarikh-alislam-45%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
