وبلبلوا لبّه ، وشتّتوا شمله ، وملكوا عليه أقطار الأرض ، حتّى ضاقت عليه بما رحبت ، وصار أين توجّه ، وجد سيوفهم متحكّمة فيه ، فتقاذفت به البلاد حتّى لم يجد موضعا يحويه ، ولا صديقا يؤويه ، فشرّق وغرّب ، وأنجد وأسهل ، وأصحر وأجبل ، والرّعب قد ملك لبّه ، فعند ذلك قضى نحبه.
قال : وكان الشيخ شهاب الدّين (١) لمّا جاء في الرسالة خاطبه بكلّ قول ولاطفه ، ولا يزداد إلّا طغيانا وعتوّا ، ولم يزل الإمام النّاصر مدّة حياته في عزوجلالة ، وقمع للأعداء ، واستظهار على الملوك ، لم يجد ضيما ، ولا خرج عليه خارجيّ إلّا قمعه ، ولا مخالف إلّا دمغه ، وكلّ من أضمر له سوءا رماه الله بالخذلان ، وأباده. وكان مع سعادة جدّه شديد الاهتمام بمصالح الملك ، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيّة كبارهم وصغارهم. وأصحاب أخباره في أقطار البلاد يوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة ـ والباطنة حتّى يشاهد جميع البلاد دفعة واحدة.
وكانت له حيل لطيفة ، ومكايد غامضة ، وخدع لا يفطن لها أحد. يوقع الصداقة بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون ، ويوقع العداوة بين ملوك متّفقين وهم لا يفطنون. قال : ولو أخذنا في نوادر حكاياته ، لاحتاجت إلى صحف كثيرة.
ولمّا دخل رسول صاحب مازندران بغداد ، كانت تأتيه ورقة كلّ صباح بما عمل في اللّيل ، فصار يبالغ في التّكلّم ، والورقة تأتيه ، فاختلى ليلة بامرأة دخلت من باب السّرّ ، فصبّحته الورقة بذلك ، وفيها : كان عليكم دواج فيه صورة الأفيلة. فتحيّر ، وخرج من بغداد وهو لا يشكّ أنّ الخليفة يعلم الغيب ، لأنّ الإمامية يعتقدون أنّ الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل ، وما وراء الجدار. وقيل : إنّ الناصر كان مخدوما من الجنّ.
وأتى رسول خوارزم شاه برسالة مخفيّة وكتاب مختوم ، فقيل : ارجع ، فقد عرفنا ما جئت به ، فرجع وهو يظنّ أنّهم يعلمون الغيب.
ووصل رسول آخر فقال : الرسالة معي مشافهة إلى الخليفة ، فحبس ،
__________________
(١) يعني : عمر السّهروردي المتوفى سنة ٦٣٢ ه ـ.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٤٥ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3637_tarikh-alislam-45%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
