وهذه السيرة في مجلّد فيها عجائب له من ارتفاع وانخفاض وفرط شجاعة. وفي الآخر تلاشى أمره ، وكبسه التّتار في اللّيل ، فنجا في نحو مائة فارس ، ثمّ تفرّقوا عنه إلى أن بقي وحده وساق خلفه خمسة عشر من التّتار وألحّوا في طلبه ، فثبت لهم ، وقتل منهم اثنين ، فوقفوا. وطلع إلى جبل بنواحي آمد به أكراد ، فأجاره رجل كبير منهم ، فعرّفه أنّه السلطان ووعده بكلّ جميل ، ففرح الكرديّ ، ومضى ليحضر خيله ، ويعلم بني عمّه ، وينهض بأمره ، وتركه عند أمّه ، فجاء كرديّ جريء فقال : أيش هذا الخوارزميّ تخلّونه عندكم؟ فقيل له : اسكت ، ذا هو السلطان. فقال : إن كان هكذا ، فذا قد قتل ـ بخلاط ـ أخي ، ثمّ شدّ عليه بحربة معه ، فقتله في الحال.
وقال الموفق عبد اللّطيف : كان أسمر أصفر نحيفا ، سمجا ، لأنّ أمّه هندية. وكان يلبس طرطورا فيه من شعر الخيل ، مصبغا بألوان. وكان أخوه غياث الدّين أجمل الناس صورة وأرقّهم بشرة لكنّه ظلوم غشوم وهو ابن تركية.
قال : والزّنا فيهم ـ يعني في الخوارزميّة ـ فاش ، واللّواط ليس بقبيح ولا معذوقا (١) بشرط الكبر والصّغر. والغدر خلق لا يزايلهم ، أخذوا قلعة عند تفليس بالأمان ، فلمّا نزل أهلها ، وبعدوا يسيرا ، عادوا عليهم ، فقتلوا من كان يصلح للقتل ، وسبوا من كان يصلح للسبي. ورد عليّ رجل من تفليس كان يقرأ عليّ الطبّ ، فذكر لي ذلك كلّه ، وأنّه أقام بتفليس ستّ سنين ، واكتسب مالا جمّا بالطّبّ. فلمّا قرب الخوارزميون جاء رسولهم إلى الملكة بكلام ليّن ، فبينا هو في مجلسها وقد وصل قاصد يخبر بأنّ القوم في أطراف البلاد يعيثون ، فقالت للرسول : أهكذا تكون الملوك يرسلون رسولا بكلام ، ويفعلون خلافه؟
وأمرت بإخراجه. وبعد خمسة عشر يوما وصلوا ، فخرج إليهم جيش الكرج ، فقال إيواني : نرتّب العسكر قلبا وميمنة وميسرة ، فقال شلوه : هؤلاء أحقر من هذا ، أنا أكفي أمرهم. فنزل في قدر سبعة آلاف أكثرهم تركمان بتهوّر ، وكان في رأسه سكر ، فتقدّم فصار في وسطهم ، وأحاطوا به ، ووقع علمه. فقال إيواني : هذا شلوه قد كسر ، ردّوا بنا ، وأخذ في مضيق ، وتبعه المنهزمون ، فتحطّموا في مضيق عميق حتّى هلك أكثرهم ، وتحصّن إيواني بمن معه في
__________________
(١) معذوق : معلّق ، أخذه من العذق ، وهو عذق النخلة ويشمل العرجون بما فيه من الشماريخ.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٤٥ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3637_tarikh-alislam-45%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
